محمد جواد مغنية

301

في ظلال نهج البلاغة

بيديك . تبغي لهم الشّفاء وتستوصف لهم الأطبّاء . لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف فيه بطلبتك . ولم تدفع عنهم بقوّتك . قد مثّلت لك به الدّنيا نفسك وبمصرعه مصرعك . إنّ الدّنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، ودار موعظة لمن اتّعظ بها . مسجد أحبّاء اللَّه ، ومصلَّى ملائكة اللَّه ، ومهبط وحي اللَّه ومتجر أولياء اللَّه . اكتسبوا فيها الرّحمة ، وربحوا فيها الجنّة . فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها . فمثّلت لهم ببلائها البلاء ، وشوّقتهم بسرورها إلى السّرور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة . ترغيبا وترهيبا ، وتخويفا وتحذيرا ، فذمّها رجال غداة النّدامة ، وحمدها آخرون يوم القيامة . ذكَّرتهم الدّنيا فتذكَّروا ، وحدّثتهم فصدّقوا ، ووعظتهم فاتّعظوا . المعنى : لكل إنسان دنياه ، وهي أيام حياته على وجه الأرض ، فإذا مات قامت قيامته ، وأدبرت دنياه ، وأقبلت آخرته ، ولذا قيل : الموت أول منزل من منازل الآخرة ، وآخر منزل من منازل الدنيا . . وكل عمل للإنسان في دنياه هو واحد من ثلاثة : عمل لا صلة له بآخرة العامل ووقوفه غدا لنقاش الحساب ، كهوايته بجمع الطوابع وتنسيق الأزهار . وعمل آخر له أطيب الأثر في آخرته وسعادته ، كخدمة الانسان وحل مشاكله ومشاركته في آلامه . وعمل ثالث يجر على صاحبه أسوأ الآثار في آخرته ، كالفساد والعدوان على العباد .