محمد جواد مغنية

282

في ظلال نهج البلاغة

العناصر العقلية والعاطفية : لكي يتضح المقصود من كلمات الإمام نمهد بهذه الإشارة : ان في داخل الإنسان العديد من العناصر والغرائز ، وهي بمجموعها على قسمين : الأول ، عقلية فكرية ، وتسمى بالمنطق العقلي ، وعن هذا المنطق يصدر العلم والمعرفة . والقسم الثاني عناصر قلبية عاطفية ، وتسمى بالمنطق العاطفي ، وعنه تصدر الشهوة والميول . وكثيرا ما يقع الصراع والتصادم بين المنطقين لاجتماعهما في جسم واحد ونفس واحدة . وفي الأعم الأغلب تنتصر العاطفة على العقل ، ويصاب بالشلل ، ويتعطل عن التأثير والعمل في الجهة التي غلب فيها على أمره . وأكثر أفعال الإنسان وحركاته تصدر عن العاطفة لا عن العقل ، والذين يحفظون التوازن بين المنطقين دون أن يطغى أحدهما على الآخر هم أقل من القليل ، لأن عملية التعادل هنا عسيرة وشائكة ، ولا يلقّاها إلا ذو حظ عظيم من العقل والصبر . ونحن مكلفون بكبح العاطفة عن الشر ، والصبر عند المصيبة ، ومسئولون عن معصية اللَّه والعقل ، ومعاقبون على الاندفاع مع الشهوة وحب السيطرة ، وعلى الجزع الذي يتجاوز الحد ويقود إلى التهلكة ، وكلام الإمام هنا يختص بالمنطق العاطفي ، وأشار إلى بعض مظاهره وأفراده ، وان الواحد منها قد يتولد منه ما هو أسوأ أثرا وأكثر ضررا . قال : ( لقد علق بنياط هذا الانسان إلخ ) . . النياط : عرق علَّق به القلب ، والبضعة - بفتح الباء - القطعة من اللحم ( وذلك القلب ، وله موارد من الحكمة إلخ ) . . ليس المراد بالحكمة هنا الفضائل كالشجاعة والجود كما فهم ابن أبي الحديد وتابعه ميثم . . كلا ، بل المراد - بدلالة السياق - الشؤون العاطفية كالرجاء والغضب والجزع ، وما إلى ذلك مما أشار اليه الإمام وكل ما يقابل الشؤون العقلية . وأطلق الإمام عليها كلمة الحكمة ، لأن اللَّه سبحانه ما خلقها في القلب عبثا ، بل لحكمة بالغة . ( فإن سنح له الرجاء أذلَّه الطمع ) ان توقع معروفا من مخلوق تذلل له وتضرع ، وباعه دينه وضميره ، وكذب ونافق في الثناء عليه ، وصرف مساوءه إلى محاسن ، فجعل بلادته حلما ، وجبنه عقلا ، وهذيه بلاغة . والمؤمن العاقل في غنى عن هذه الخسة والضعة ، لأنه يتوقع قضاء حوائجه بالسعي والتعاون المتبادل