محمد جواد مغنية
268
في ظلال نهج البلاغة
النّاس ومن أصلح أمر آخرته أصلح اللَّه له أمر دنياه . ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من اللَّه حافظ . المعنى : ( من أصلح ما بينه وبين اللَّه إلخ ) . . إذا أردت أن تكسب قلوب الناس وولاءهم نحوك فلا بد - قبل كل شيء - أن تكفّ أذاك عنهم يدا ولسانا ، وأن تعمل لصالحهم قدر جهدك ، وأن تكون مستعدا لتقبل الصدمات منهم ومن غيرهم والصبر عليها ، ومتى توافرت فيك هذه الصفات كنت مرضيا عند اللَّه لطاعتك له ، وعند الناس لجهادك من أجلهم . ( ومن أصلح أمر آخرته إلخ ) . . ليست الآخرة مجرد نظرية كمثل أفلاطون ، ولا قيمة إنسانية تهدف إلى الترغيب والترهيب وكفى ، كما يظن . . كلا ، ان الإسلام لا يعنى أبدا بالنظريات المجردة ، ولا بالقيمة في ذاتها . . انه دين علم وعمل ، والآخرة عنده وفي الواقع عالم خارجي يحس ويلمس ، فيه طعام وشراب ، ونعيم وعذاب تماما كعالمنا هذا ، والفرق أن الدنيا يعمل فيها ، والآخرة يعمل لها ، والعمل الأهم في الدنيا من أجل الآخرة هو الصدق والأمانة ، والإخلاص في العمل والنضال لخدمة الإنسان وحل مشاكله واستصلاح أحواله . . وكما أن العمل في هذا الميدان سبب للفوز بسعادة الآخرة فهو أيضا سبب للنجاح والرفعة في الحياة الدنيا . قال سبحانه : * ( وَمَنْ كانَ فِي هذِه ِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) * - 72 الإسراء . وكل باحث منصف مسلما كان أم غير مسلم يعترف بأن أول دين ربط بين الدنيا والآخرة ، وجعل تلك مطية لهذه هو دين الإسلام . ( ومن كان له من نفسه إلخ ) . . ان الوظيفة الأولى للعقل السليم هي وقاية صاحبه من المجازفة . ومن البداهة ان من كان له هذا الحصن الحصين عاش في أمن وأمان من المهالك والمخاوف . وعبّر الإمام عن هذا العقل الواقي بالواعظ من النفس والداخل . وفيه ايماء إلى أن المواعظ الخارجية لا تجدي نفعا إلا إذا تركت أثرا طيبا في النفس والعقل . وسبق الكلام عن ذلك عند قول الإمام في الحكمة 37 : « أغنى الغنى العقل » .