محمد جواد مغنية
261
في ظلال نهج البلاغة
له : اتجر به ، فأخذ الولد المال لأنه لا يستطيع رفضه بحال ، وأيضا لا يستطيع الاحتفاظ به إذا أراد الوالد نزعه منه ، ولكنه قادر على الاتجار به وفقا لإرادة أبيه ، وأيضا هو قادر أن يجمد المال ولا يتاجر ، ومعنى هذا انه مسير في رفض المال وابقائه ، ومخير في التجارة وعدمها . وهكذا القدرة التي منحها اللَّه للإنسان ، انها في الانسان يفعل بها ويترك ، ولكنها في الوقت نفسه في قبضة اللَّه أيضا تماما كالمال الذي أعطاه الوالد لولده . ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب « فلسفة التوحيد والولاية » . وبعد هذا التمهيد المفيد إن شاء اللَّه نشرع بإيجاز بتفسير الكلمات ( ولو كان ذلك كذلك ) أي لو كان الانسان مسيرا كما يقول الجبريون ( لبطل الثواب والعقاب ) حيث يكون الانسان ، والحال هذه ، تماما كريشة في مهب الريح ، وفعله كالثمرة على الشجرة ( وسقط الوعد ) على الطاعة ( والوعيد ) على المعصية ، لأن الوعد والوعيد فرع عن وجود الثواب والعقاب . ( ان اللَّه سبحانه أمر عباده تخييرا ) أي ما أمرهم أن يفعلوا إلا لأنهم قادرون ومخيّرون ، ولو كانوا مسيّرين ما كلفهم بشيء . كيف وهو القائل : * ( لا يُكَلِّفُ ا للهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) * - 286 البقرة . ( ونهاهم تحذيرا ) من غضبه وعقابه ، ومن البداهة انه لا معنى من التحذير إلا مع القدرة والاختيار ( وكلف يسيرا ) وسهلا يستطيع الإنسان أن يسمع ويطيع بلا عسر وحرج قال سبحانه : * ( ما يُرِيدُ ا للهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) * - 6 المائدة . ( ولم يكلف عسيرا ) عطف تفسير على « كلف يسيرا » تماما كقوله تعالى : * ( يُرِيدُ ا للهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) * - 185 البقرة فإن اليسر بطبعه يستدعي نفي العسر . ( وأعطى على القليل كثيرا ) أعطى الثواب الكثير على العمل اليسير الذي فعله الإنسان بملء إرادته وتمام قدرته ( ولم يعص مغلوبا ) إذا عصى الإنسان فليس معنى هذا ان اللَّه عاجز عن ردعه عن المعصية . . كلا ، انه على كل شيء قدير ، ولكن يترك للإنسان حريته لأنه لا إنسانية بلا حرية ( ولم يطع مكرها ) وأيضا لو أراد أن يمنعه عن الطاعة لفعل ، ولكنه لا يفعل لأنه عادل وحكيم ، لا تتناقض أقواله مع أفعاله ( ولم يرسل الأنبياء لعبا ) بل ليرشدوا الخلق إلى الحق ( ولم