محمد جواد مغنية
259
في ظلال نهج البلاغة
وبلاء دائم . . وهكذا كانت حياة عليّ لا لشيء إلا لأنه طلق الدنيا ثلاثا ، ولكنه تقبل هذه الحياة عن رضا وطيب نفس . . وإذا طلق الدنيا ثلاثا لا رجعة فيها ، وهجر حلاوتها وزينتها - فكيف يمكن الجمع والتوفيق بينه وبين أهلها ومحبّيها ومن الذي يجمع بين الضرة وشريكتها . وهنا يكمن السر في نقمة الناقمين على ابن أبي طالب ، وثورة الناكثين والفاسقين والمارقين ، وفي عزلة المعتزلين عن بيعته ونصرته ، وفي قول من قال : علي لا يعرف السياسة . . ومن قبلهم قال المشركون لمحمد ( ص ) : * ( وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْه ِ الذِّكْرُ ) * - 6 الحجر . 76 - ويحك لعلَّك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما . ولو كان كذلك لبطل الثّواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد . إنّ اللَّه سبحانه أمر عباده تخييرا ، ونهاهم تحذيرا ، وكلَّف يسيرا ولم يكلَّف عسيرا ، وأعطى على القليل كثيرا . ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع مكرها ، ولم يرسل الأنبياء لعبا ، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا ، ولا خلق السّموات والأرض وما بينهما باطلا « ذلك ظنّ الَّذين كفروا فويل للَّذين كفروا من النّار » . المعنى : روى جماعة ، منهم الكليني في « أصول الكافي » ، وأبو الحسين في كتاب « الغرر » ، والشريف الرضي : إن رجلا شاميا حارب مع الإمام في صفّين ، وبعد منصرفه منها سأل الإمام : هل كان مسيرنا إلى حرب أهل الشام بقضاء من اللَّه وقدره . فقال له : ما وطئنا موطئا ، ولا هبطنا واديا إلا بقضاء اللَّه وقدره . فقال السائل : عند اللَّه أحتسب عناي . . ما أرى لي أجرا . فقال له الإمام : مه ، لقد عظَّم اللَّه أجركم في مسيركم وفي منصرفكم ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا مضطرين . فقال السائل : كيف وقد ساقنا القضاء والقدر . فقال الإمام : ( ويحك لعلك ظننت إلخ ) . . وفيما يلي البيان .