محمد جواد مغنية
250
في ظلال نهج البلاغة
54 - الصّبر صبران : صبر على ما تكره ، وصبر عمّا تحبّ . المعنى : ومن أمثلة الصبر الأول : جائع لا يجد إلى القوت سبيلا ، ومريض لا يملك ثمن الدواء ، وسجين لا عم له ولا خال . ومن أمثلة الصبر الثاني فلَّاح زرع واجتهد أملا بالحصاد ، ولما استوى الزرع على سوقه أتت عليه آفة ، فأصبح هشيما تذروه الرياح . والصبر ممدوح وحسن إذا كان وسيلة لغاية نبيلة كالصبر في الجهاد المقدس ، وفي طلب العلم وقوت العيال ، أما الصبر على الفقر مع القدرة على العمل ، والصبر على الاضطهاد بلا مقاومة - فهو مذموم وقبيح شرعا وعقلا . وروي أنه كان في العصور الخالية أسرة في الصين عاشت في بيت واحد ، وانها كانت تضم جدا وعشرات الأولاد والأحفاد ذكورا وإناثا ، ومر عليها أمد غير قصير وما كدّر صفوها كلمة ولا حركة من واحد من أبنائها وأفرادها حتى كان يضرب المثل بسعادتها وهنائها ، ولما سأل امپراطور الصين الجد الأعلى عن سبب هذه السعادة كرر في جوابه كلمة الصبر مئة مرة . 55 - الغنى في الغربة وطن . والفقر في الوطن غربة . المعنى : كلمة الوطن توحي بالقوة والأهل وجمع الشمل ، وبالمتعة والراحة والطمأنينة . والغني الواجد تتوافر له هذه الأوصاف ، لأن المال قوة ومتعة ، وبه تطمئن النفس وترتاح ، والى صاحبه تتودد الرجال وإخوان الزمان . . أما كلمة الغربة فإنها توحي بالضعف والوحدة والوحشة ، وبالألم والخوف والضياع ، ومعنى هذا أن الغنى وطن بذاته سواء أكان في مكان الولادة أم في غيره ، وأن الفقر غربة وسجن وتشريد أينما كان ويكون حتى في مسقط الرأس ، بل هو كفر أيضا كما قال الرسول ( ص ) ، والموت الأكبر كما قال الإمام في الحكمة الآتية ، والوصف بالأكبر يومئ إلى أن الفقر أقسى وأشد من الموت المعتاد . وتقدم الكلام عن ذلك في الحكمة 3 . ولا بد من الإشارة إلى أن مراد الإمام بالغنى أن يملك المرء من أسباب العيش