محمد جواد مغنية
226
في ظلال نهج البلاغة
على أن الوقاية من الهلاك قد تكون هي السبب الموجب له ، كالطبيب يصف نوعا من الدواء لمريضه بقصد الشفاء ، فيقضي عليه ، أو يتحصن الجيش من عدوه في مكان ملغوم ، أو يفر من الجهاد طلبا للسلامة فيقع فيما هو أدهى وأمر . 16 - سئل عليه السّلام عن قول الرّسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « غيّروا الشّيب ولا تشبّهوا باليهود » فقال عليه السّلام : إنّما قال صلَّى اللَّه عليه وآله ذلك والدّين قلّ ، فأمّا الآن وقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار . المعنى : الدين قلّ أي لم ينتشر بين الناس ويكثر أتباعه . والنطاق : الحزام . والجران مقدم البعير يضرب به الأرض إذا استراح ، وكان النبي ( ص ) قد أمر الشيوخ من أصحابه أن يستروا الشيب عن العدو بالخضاب ليظهروا أمامه في هيئة الأقوياء . فقال الإمام : ذاك حيث كان الإسلام ضعيفا بقلة أتباعه ، أما اليوم وقد ظهر على الدين كله فلم يبق لهذا الحكم من موضوع ، فمن شاء فليترك الخضاب ، ومن شاء فليخضب . وبهذا القصد ألغى عمر سهم المؤلفة قلوبهم . وتسأل : ألا يتنافى هذا مع الحديث المشهور عن رسول اللَّه ( ص ) : حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة . الجواب : ان الأحكام الشرعية الإسلامية على نوعين : الأول منهما يرتبط بطبيعة الإنسان وفطرته من حيث هو إنسان ، وهذا النوع من الأحكام لا يتغير ولا يتبدل تماما كنظام الكون والأفلاك في حركاتها الدائبة ، ولو اختل شيء منه لأنهار الكون بما فيه . وهذا النوع هو المقصود بالحديث المشهور . والنوع الثاني يرتبط بالحياة الاجتماعية ، وهذا تتغير أحكامه تبعا لتغير المجتمع من حال إلى حال حيث يتغير موضوع الحكم وسببه الموجب ، وخضاب الشيب أو عدم خضابه من هذا النوع وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 174 فقرة « التحليل والتحريم بين الإسلام والمسيحية » .