محمد جواد مغنية
222
في ظلال نهج البلاغة
رطبا بلا عظم وعصب ، وأن يكون في الفم بمنزلة الصدر للقلب صونا له من العوارض الخارجية . وأما الأذن فهي الأداة اللاقطة للصوت ، والصوت يحمله الهواء ، ولا يدخل إلى الأذن إلا بعد انكسار حدته ، فجعلها سبحانه عضوا لينا لا لحما مسترخيا ، ولا عظما صلبا بل عظما طريا متماسكا . أما التنفس في الإنسان فيقول أهل الاختصاص أن له عضلات كثيرة ، وأهمها الأنف ، وبه يستغنى عن الفم لاستنشاق الهواء ، وقد جعل سبحانه تجويفه بقدر الحاجة ، ولو كان أوسع مما عليه لدخل إلى الجوف من الهواء أكثر من المطلوب ، أو أضيق لدخل دون القدر اللازم ، وأيضا جعل التجويف مستطيلا لينحصر فيه الهواء وتنكسر حدته قبل أن يصل إلى الدماغ ، وإلا صدمه بقوته وأوقفه عن الحركة . فسبحان الذي خلق فسوى ، وقدّر فهدى . 8 - إذا أقبلت الدّنيا على أحد أعارته محاسن غيره . وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه . المعنى : المراد بإقبال الدنيا على الإنسان أن ينال منها ما يغبط عليه أو يحسد ، والمراد بإعارته محاسن غيره أن يرفع فوق منزلته ، كمن ساد ، وما هو بأهل للسيادة . وليس من الضروري أن تنسب اليه فضائل الآخرين ، كما توهم الشارحون ، بل قد يكون ذلك ، وقد لا يكون ، والمعيار أن يقدر بأكثر من ثمنه . والمراد بسلبته محاسن نفسه أن تبخس أشياؤه ، ويبهظ حقه ومقامه . والأمثلة على ذلك لا تحصى كثرة ، منها ان يؤلف شهير كتابا ، فيقبل عليه الناس ويشتروه بأغلى الأثمان ، ويكيلوا له المديح بلا حساب ، ويستشهدوا بكلماته كدليل على الحق . ولو نسب هذا الكتاب بالذات إلى مغمور مجهول لأعرضوا عنه . . وربما سخروا منه . وفي الخطبة 107 أوضح الإمام السبب الموجب وبيّنه بقوله : « فهو عبد لها - أي للدنيا - ولمن في يده شيء منها حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل