محمد جواد مغنية
215
في ظلال نهج البلاغة
فضيحة . وقديما قيل : الشكوى لغير اللَّه ذل . . وأية جدوى من الشكوى إلى الناس ما دامت لا تدفع ضرا ، ولا تجلب نفعا ، وتسوء المحب ، وتسر المبغض وأيضا لا جدوى من أمر المبتلى وحثه على الصبر وكتمان العلة إلا إذا كان ذا عقل رزين ، لأن الصبر على قدر العقل . والشكوى من مقولة الكلام وصفاته ، ولذا عقبها الإمام بالإشارة إلى اللسان ، ومر الحديث عنه في شرح الخطبة 94 فقرة « السكوت » وغيرها . وقال مجرب حكيم : يتنازع لسانك عقلك وهواك ، فإن غلب الأول فهو لك ، وان غلب الثاني فهو عليك ، فلا تطلق لسانك حتى تعلم أن كلامه لك لا عليك . 3 - البخل عار . والجبن منقصة . والفقر يخرس الفطن عن حجّته . والمقلّ غريب في بلدته . والعجز آفة ، والصّبر شجاعة . والزّهد ثروة . والورع جنّة . المعنى : البخل يخطط لصاحبه منهجا يسير عليه في تفكيره وسلوكه ، ولا يحيد عنه بحال ، وهذا المنهج يرفض بطبعه التعاون على الخير ومصلحة الفرد والجماعة ، ويهدي إلى القسوة وعدم الاكتراث بالناس ومشاكلهم . . ومن لا يهتم بهموم الناس فليس منهم ولا من الانسانية في شيء . ونعطف على ذلك ما جاء في الآثار من أن البخيل يعيش في الدنيا عيش الفقراء ، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء ، وانه كالخنزير لا ينتفع به إلا بعد موته حيث تنهشه الكلاب ، وان البخل يفسد الرأي ، ويمنع صاحبه عن رؤية الحقيقة ، لأنه ينظر إلى الأشياء من خلال ذاته الشحيحة الشاحبة . وإذا كان الإمساك رذيلة فالبذل والتضحية فضيلة في كل زمان ومكان ، ولكن إطعام الطعام قد بلغ الغاية والنهاية من التقديس عند القدامى ، وبخاصة العرب الذين اعتبروه سببا رئيسيا من أسباب السيادة والقيادة ، وملأوا الدنيا في المديح والثناء نظما ونثرا على صاحب الخوان ، وكنّوا عنه بجبان الكلب وكثير الرماد والنيران . . ووضع الجاحظ كتابا في البخلاء ، وأفرد الكثير من المؤلفين بابا طويلا