محمد جواد مغنية

151

في ظلال نهج البلاغة

واقتدى به آخرون ، وأغار طليحة على المدينة ليلا ، وكان المسلمون له بالمرصاد ، فهزموه وفرقوا جمعه وقتلوا العديد من عسكره ، ولم يصب أحد من المسلمين ، ثم لحقت جيوش الإسلام بطليحة الفار ، فانصرف عنه أصحابه بعد إيقانهم بكذبه ، وهرب هو إلى الشام ، ونزل ببني كلب ، وأظهر التوبة والإسلام ليسلم من القتل ولما مات أبو بكر وبويع عمر أتاه وبايعه . ( فخشيت ان لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم إلخ ) . . الخطاب للمسلمين لا للمصريين فقط ، والمعنى ان الإمام خاف على دين محمد ( ص ) لو بقي معتزلا في بيته . لذا شارك في حرب الردة ، ودافع عن المدينة كعاصمة للمسلمين ، وعن الخلافة كنيابة عن الرسول ( ص ) وسكت عن حقه حرصا على الدين ومصلحته ، وتعاون مع أبي بكر للغاية نفسها ، لأن الدين فوق الجميع ، وفي سبيله ضحى الأنبياء بأنفسهم ، وإذن فبالأولى أن يضحي الإمام بالولاية والرياسة من أجل الدين . وقلنا فيما سبق : ان الإمام لا يقيس الخير بالمناصب وكثرة الناس من حوله ، وبالغنى أو غيره من حطام الدنيا ، وإنما يقيس الخير بمرضاة اللَّه وثواب الآخرة . ومن أقواله في ذلك : « كل نعيم دون الجنة فهو محقور . . الغنى والفقر بعد العرض على اللَّه » . وعلى هذا الأساس صغّر الدنيا وحقّرها ، وشبهها بعفطة عنز في الخطبة 3 ، وبورقة في فم جرادة في الخطبة 222 وبالسراب في الرسالة التي نحن بصددها . ( فنهضت في تلك الأحداث ) وهي الردة وغيرها من الفتن التي كانت تهدف إلى القضاء على دولة الإسلام وبيضته ( حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه ) بانتشاره في شرق الأرض وغربها ( واني واللَّه لو لقيتهم واحدا ، وهم طلاع الأرض إلخ ) . . ضميرهم يعود إلى مثيري الفتن والقلاقل ضد الإسلام كأهل الردة وأهل الشام وأصحاب الجمل ، والمعنى : أنا حرب لمن يضمر السوء للإسلام حتى ولو ملأوا عليّ الأرض رجالا وسلاحا ، وأنا سلم ما سلم الإسلام ، ولم يكن من حيف وجور إلا عليّ خاصة ، كما قال في الخطبة 72 . وكان الإمام يعلن في العديد من المواقف أنه أولى من أبي بكر بالخلافة ، وصارحه بذلك أكثر من مرة . . ومع هذا تعاون معه على مصلحة الإسلام والمسلمين ،