محمد جواد مغنية

146

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : كان كميل بن زياد من خاصة الإمام ، والصفوة من شيعته ، ولما ولي الحجاج طلبه للقتل فهرب منه واختفى ، فما كان من الحجاج إلا أن منع العطاء عن قومه . . ولما علم كميل بذلك قال : أنا شيخ كبير ، وقد نفد عمري ، ولا ينبغي أن أكون سببا لحرمان قومي من أقواتهم ، وسلَّم نفسه للحجاج ، فلما رآه قال له : كنت أحب أن أجد عليك سبيلا ، فقال كميل : لا تصرف على أنيابك كالبعير ، فاقض ما أنت قاض ، فالموعد اللَّه ، وبعد القتل حساب وجزاء . فقال الحجاج لجلاوزته : اضربوا عنقه ، فضربت . وقد ولَّاه الإمام على هيت ، فاستضعفه معاوية ، وأرسل اليه المرتزقة يقتلون وينهبون ، كما هو شأنه ، قال ابن أبي الحديد : « وحاول كميل أن يجبر ضعفه بالغارة على أطراف معاوية مثل قرقيسيا وغيرها ، فأنكر الإمام عليه ذلك » . وبعد ، فإن الانسان ابن الظروف التي تحيط به ، وكميل انسان له عواطفه وانفعالاته ، وأيضا له حريته وقدرته تماما كأبيه آدم الذي أخرجه اللَّه من الجنة جزاء على فعلته . . وليس المهم أن لا يخطئ الانسان ، وانما المهم أن لا يصر على الخطأ متى ظهر وبان ، وأن يلوم نفسه ولا يعود . . وقد لام كميل نفسه وندم تماما كما ندم آدم من قبل ، وتاب كما تاب . . وختم حياته بالشهادة بسيف البغي والضلال ، فصبر واحتسب حرصا على دينه وايمانه .