محمد جواد مغنية

107

في ظلال نهج البلاغة

كأن لم تكن ، بدنية كانت أم مالية . وانما خص الإمام البدنية بالذكر لأن حديثه عن الولاة والحكام ، وهم في الغالب يتكاسلون عن الصلاة ، أو يسرعون بها بحجة ان أوقاتهم أضيق من أن تتسع لها . . فحذرهم الإمام من ذلك . وتجدر الإشارة إلى أن كثير الأشغال يفكر بها ، وهو في صلاته ، ويكثر لذلك شكَّه وسهوه مهما تحفّظ واحترس ، ومن ذاق عرف ، ومن عرف وصف . ( وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكن منفرا ) بتطويلها ، وفي الحديث : « إن هذا الدين متين ، فأوغلوا فيه برفق ، ولا تكرهوا عباد اللَّه إلى اللَّه ، فتكونوا كالراكب المنبتّ لا سفرا قطع ، ولا ظهرا أبقى » . والمنبت المنقطع في سفره ( ولا مضيعا ) بالخلل والتقصير ( فإن في الناس من به العلة ) المرض أو الشيخوخة ( وله الحاجة ) التي لا تتحمل التواني والتأجيل ( صلّ بهم كصلاة أضعفهم إلخ ) . . تقدم بالحرف في الرسالة 51 . ( فلا تطولن احتجابك - إلى - الباطل ) . لك أن تحتجب عن الرعية بعض الوقت ، لراحتك أو إنجاز ما أهمك ، اما ان تحتجب كل الوقت فهذا كبر منك وسوء خلق ، وداعية للجهل بأحوال الرعية ، والاعتماد في اخبارها على أصحاب المآرب والأغراض . . وأيضا الاحتجاب تحقير وتنفير لأهل الرأي والفضل والمروءة ، وتعظيم لخدمك وحجابك الذين يدخلون عليك ساعة يشاؤن . . وليس من شك ان تحقير الكبير وتعظيم الصغير هو صغار واحتقار لك بالذات ، بل جريمة لا تغتفر ، لأنك عاقبت من لم يسئ إليك ، وأغضبت من يريد لك الرضا ، وحلت بينه وبين حاجته ، وهو يتلهف على قضائها . . وهل من شيء أكثر قبحا من ذلك ( وإنما الوالي بشر إلخ ) . . قد يكون الوالي محقا في احتجابه ، ولو بعض الحق ، ولكنه في نظر الناس بشر ، وليس بإله حتى يقولوا : سبحانه ما احتجب عنا عبثا . . بل يظنون به الظنون ( وليست على الحق سمات ) ودلائل ظاهرة تشير إلى السبب الموجب والمبرر للاحتجاب ( تعرف بها ضروب الصدق من الكذب ) في العذر عن الغياب وسد الباب . ( وإنما أنت أحد رجلين إلخ ) . . ان الرجل الطيب يتمنى أن يكون له مكان من الخير عند اللَّه والناس ، ويرى خدمة أي مخلوق نعمة أنعمها اللَّه عليه . .