محمد جواد مغنية
9
في ظلال نهج البلاغة
والأرجح ان الإمام يتكلم عن الجماعة دون الأفراد ، كما هو الظاهر من كلمة « قوم » وان مراده من النعمة الحياة الكريمة بالخصوص ، ومن الذنوب الفرقة والشتات ، وعليه يكون المعنى : ان أي قوم أنعم اللَّه عليهم بدولة كريمة تصونهم من الاعتداء ، وتحقق لهم الطمأنينة والاستقرار ، ثم تشاحنوا وتباغضوا - تزول عنهم هذه النعمة ، ويصبحون لقمة سائغة لكل طامع . . وتفسيرنا هذا يتفق مع الواقع ، ومع قوله تعالى : * ( « وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) * - 46 الأنفال » . وصرح الإمام بذلك في الخطبة 27 حيث قال لأصحابه : شنّ عليكم أهل الشام الغارات ، وغزوكم في عقر داركم ، لأنّهم اجتمعوا على باطلهم ، وتفرقتم عن حقكم . ( ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم ) . . إذا مرّ بالمؤمن لحظات من المخاوف يلجأ إلى اللَّه ، ويطلب منه العون والفرج ، واللَّه يسمع ويجيب دعوة الداعي شريطة أن يستجيب هو بدوره إلى اللَّه كما جاء في الآية 186 من سورة البقرة : * ( « وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي » ) * . وليست الاستجابة له تعالى بالكلمات والابتهالات ، ولا بمجرد الصوم والصلاة ، بل بالعمل والأخذ بأسبابه سبحانه وسننه في جميع خلقه * ( « وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ ا للهِ تَحْوِيلًا ) * - 43 فاطر » . أبدا لا تبديل ولا تحويل في سننه ، جلت حكمته ، وهي ان لكل شيء سببا طبيعيا كان ، أم اجتماعيا ، والبطالة ليست بسبب لشيء من الأشياء إلا الهم والغم ، والتخلف والانحطاط : * ( « وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) * - 30 الشورى » . وقال الإمام : من قصر في العمل ابتلي بالهم . . والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر . ( واني لأخشى أن تكونوا في فترة ) من الاستقرار يعقبها خوف واضطراب ( وقد كانت أمور مضت - إلى - غير محمودين ) . ما صرح الإمام بتلك الأمور ، ولا دليل عليها من غيره ، وقال بعض الشارحين : يشير الإمام بالأمور إلى تقديم عثمان يوم الشورى ، وقال آخر : يشير إلى ما سبق الشورى . . وكلا القولين حدس بلا أساس . . . وأية علاقة للمخاطبين بالشورى والسقيفة ، ويكفي لصحة الخطاب أن يكون المخاطب على علم بمراد المتكلم . ( ولئن رد عليكم أمركم ) من جمع صفوف ، ووحدة الكلمة ( انكم لسعداء )