محمد جواد مغنية
88
في ظلال نهج البلاغة
كلمة الإيمان على هذا وأمثاله هو مجرد البيان بأن أحكام الإيمان تجري عليه ، كصيانة دمه ، وتزويجه وتوريثه . أما الإيمان حقا وواقعا فلا بد فيه من العمل ، كما في الآية 4 من سورة الأنفال : * ( « الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا » ) * . وقال الإمام الصادق : الإيمان عمل كله . ومن تتبع كتب التاريخ والفقه والأخلاق وعلم الكلام - يجد أن كلمة مؤمن مرت بأطوار عديدة . . كانت تطلق في صدر الإسلام على كل مسلم ، وبصورة خاصة في قبال المنافق ، ولا يرى الخوارج فرقا بين الإسلام والإيمان حيث قالوا : من ارتكب ذنبا صغيرا كان أم كبيرا فهو كافر ، لا يعد مسلما ولا مؤمنا ، وقال المعتزلة : مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ، وان كان مسلما مخلدا في النار . ولفقهاء الشيعة الإمامية بالخصوص اصطلاح في المؤمن الذي يعطي الزكاة ، وتصح الصلاة خلفه جماعة حيث اشترطوا أن يكون مواليا لأهل البيت . وقال الأشاعرة : الإيمان هو مجرد التصديق بما جاء به محمد ( ص ) وليس العمل بشرط ، وقال الكرامية : بل هو مجرد النطق بكلمتي الشهادة ، وليس التصديق بشرط فضلا عن العمل « المواقف للإيجي ج 8 » . أما الإيمان الذي عناه الإمام في هذه الخطبة فهو ما كان طريقا وسببا لرضوان اللَّه وجناته . . وليس من شك ان الفوز بجنة الخلد لا يكون إلا بالعمل الصالح ، قال تعالى : * ( « تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ) * - 63 مريم » . وقال : * ( « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ا للهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) * - 142 آل عمران » . ثم قسّم الإمام هذا الإيمان إلى قسمين : منه الأصيل الراسخ حتى النفس الأخير ، ومنه العارية المتزلزل الذي يفارق صاحبه قبل الموت . ومن أجل هذا أوصى الإمام أصحابه بقوله : ( فإذا كانت لكم براءة إلخ ) . . ان رأيتم منكرا من أي انسان فلا تعجلوا في الحكم عليه بما ظهر لكم منه ، وتقولوا : اللهم إنّا نبرأ إليك من هذا المجرم الأثيم ، بل عليكم بالصبر والتريث حتى يدركه الموت . . فربما كفّر عن سيئاته بالتوبة ، ومحاها بالحسنات .