محمد جواد مغنية
81
في ظلال نهج البلاغة
لأنهم يتقون اللَّه ، وبأمره يعملون ( ألا فتوقعوا ما يكون من إدبار أموركم ، وانقطاع وصلكم ، واستعمال صغاركم ) . أنتم الآن في ظل حاكم يسوسكم بالحق والعدل ، ويحمل همومكم وآلامكم ، ويؤثركم على نفسه وذويه ، وسوف يتولى أمركم من بعده ظلوم غشوم ، لا يرى إلا همومه ونفسه ، والا إذلالكم واستعبادكم . ( ذاك حيث تكون ضربة إلخ ) . . تنسد أبواب الرزق ومسالكه إلا على الخونة والقراصنة ، ولا يجد الحر الأمين وسيلة للعيش : ويكون ضربه بالسيوف وطعنه بالرماح أهون عليه وأيسر من الحصول على لقمة الحلال ( ذاك حيث يكون المعطى - اسم مفعول - أعظم أجرا من المعطي ، اسم فاعل ) ، أي يأتي زمان يكون المؤمن المخلص الذي يأخذ الصدقة أفضل عند اللَّه من معطيها . . وأطال الشارحون في تأويل هذا الكلام وتوجيهه بما يتفق مع ما هو معروف من « ان اليد العليا خير من اليد السفلى » ولكنهم لم يأتوا بشيء - كما نظن - والذي نراه ان كل من يجد العمل السائغ ولا يعمل ، ويعيش عالة على غيره فهو من الذين لا شأن لهم عند اللَّه والناس ، والنملة الكادحة خير منه . أما من يأنف من الأخذ ، ويأبى بطبعه أن يكون كلَّا على غيره ، وفي الوقت نفسه يتورع عن الحرام بشتى أنواعه ، ويبحث جاهدا عن الحلال والعيش بكد اليمين ، ولكن لا يجد السبيل اليه ، فيضطر مكرها لأخذ الصدقات لا مختارا - أما هذا الشريف المتعفف فهو أعظم أجرا عند اللَّه ممن يتصدق ، لأن الظروف أرغمته على تقبل الذل والعيش على أوساخ الناس ، فيعوضه اللَّه سبحانه عن ذلك بالأجر العظيم . ( ذاك حيث تسكرون من غير شراب ، بل من النعمة والنعيم ) . يريد بهذا المترفين ورجال المال ، وحكام الجور وأذنابهم بدليل كلمة « النعمة والنعيم » . ( وتحلفون من غير اضطرار إلخ ) . . قد يجوز الكذب مع التورية لدفع الضرر . . حتى اليمين الكاذبة تسوغ وتحل لنجاة نفس محترمة من الهلاك ، وخلاصها من طاغية شريطة أن ينحصر سبيل نجاته بهذه اليمين . . أما الكذب تملقا ورياء لا لشيء إلا للربح وجلب المنفعة فهو من أكبر الكبائر ( ذاك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير ) . قيل : ان هذه الجملة لا صلة لها بما قبلها ، وان الشريف الرضي اقتطعها من كلام آخر ، وحشرها هنا ، كما هي عادته . . وليس هذا ببعيد ، وعلى أية حال فالمعنى الظاهر منها أن شيعة الإمام ( ع ) سوف يلاقون بعده الشدائد ، ولا يعرفون وجه الخلاص ، وقد حدث ذلك بالفعل .