محمد جواد مغنية
73
في ظلال نهج البلاغة
فيرزقه . خضعت الأشياء له ، وذلَّت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضرّه ، ولا كفؤ له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه . هو المفني لها بعد وجودها ، حتّى يصير موجودها كمفقودها . وليس فناء الدّنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها . وكيف لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلَّدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السّبيل إلى إيجادها . ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضّعف عن إفنائها . وإنّ اللَّه سبحانه يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شيء معه . كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها . بلا وقت ولا مكان ، ولا حين ولا زمان . عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السّنون والسّاعات . فلا شيء إلَّا الواحد القهّار الَّذي إليه مصير جميع الأمور . بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها . ولو قدرت على الامتناع دام بقاؤها . لم يتكاءده صنع شيء منها إذ صنعه ، ولم يؤده