محمد جواد مغنية

71

في ظلال نهج البلاغة

وقادرة عادلة ، تفعل وتشرّع ، وتثيب وتعاقب ، وتسمع الشكوى ، وتكشفها ان شاءت . ( ليس في الأشياء بوالج ، ولا عنها بخارج ) . انه تعالى مع الأشياء ، وغير بعيد عنها ، لأنه خالقها ومدبرها وعالم بأحوالها ، ولأنها تفتقر إلى رحمته وعنايته ، ولو تخلى عنها لحظة لم تكن شيئا مذكورا ، وهو سبحانه بعيد عن الأشياء بذاته الغنية عن كل شيء ، وصفاته التي ليس كمثلها شيء ( يخبر لا بلسان ولهوات ) . غير اللَّه يتكلم بلسان ، أما هو ، جل وعز ، فيخلق الكلام في لسان من ارتضى من رسول ، أو ما شاء من خلقه ، فالكلام بالنسبة اليه تعالى كالرزق من الصفات الإضافية لا الذاتية . قال الشيخ محمد عبده : « كلام اللَّه حادث عند جميع الفرق ما خلا جماعة من الحنابلة » فإنهم قالوا : كلام اللَّه صفة له ، وكل ما هو صفة له فهو قديم . وتقدم مثله في الخطبة 180 . ( ويسمع لا بخروق وأدوات ) لأنه ليس بجسم ، ومعنى سمعه تعالى علمه بالمسموعات : * ( « ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه ِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) * - 18 ق » . ( يقول ولا يلفظ ) بل يخلق الكلام ، كما أشرنا ( ويحفظ ) أي يراقب ويدبر ( ولا يتحفظ ) لا يحتاط ويحترس ، لأن الحراسة والتحفظ مصدرهما الخوف . . ولا أمن وسلام إلا باللَّه ومن اللَّه ، وقد وصف سبحانه نفسه ب * ( « السَّلامُ الْمُؤْمِنُ ) * - 23 الحشر » . ( يريد ولا يضمر ) . ولما ذا الإضمار والإسرار ما دام يقول للشيء كن فيكون ( يحب ويرضى إلخ ) . ومن البداهة أن حبه تعالى ورضاه هو إنعامه ورحمته ، وإن بغضه وغضبه هو عذابه ونقمته ، أما الرقة والمشقة فمن صفات الممكن الحادث ، لا من صفات الواجب القديم . ( يقول لمن أراد كونه إلخ ) . . يشير بهذا إلى الآية 82 من سورة يس : * ( « إِنَّما أَمْرُه ُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ » ) * . « وانما كلامه فعل منه إلخ » . . أشرنا إلى أنه تعالى يخلق الكلام كما يخلق سائر الأشياء ، ولو كان كلامه صفة ذاتية له لكان قديما مثله ، ويلزم من ذلك تعدد الآلهة ( لا يقال كان إلخ ) . . في كان ضمير مستتر يعود اليه تعالى ، لا إلى كلامه ، والمعنى ان اللَّه هو الأول بالقدم والأزلية ، والآخر بالأبدية والسرمدية ، ولو كان له أول لكان هو والمخلوق سواء ، لا يمتاز عنه بفضيلة ، ولا له عليه من فضل ، ونكرر القول : إن الخالق لا يوصف بخلقه .