محمد جواد مغنية
560
في ظلال نهج البلاغة
عبد اللَّه بن عبّاس ، وكان قد اختاره لولاية البصرة ، ولما اغتصب معاوية مصر ، وقتل عاملها محمد بن أبي بكر خشي ابن عباس - كما نتصور - أن يطمع معاوية في البصرة ، ويمثل فيها نفس الدور الذي مثله في مصر ، ويكون مصير عاملها كمصير ابن أبي بكر . . فأخذ ما في بيت المال وتوجه إلى مكة وقال : « سلامات يا رأس » ويومئ إلى ذلك قول الإمام : ( فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب . . قلبت لابن عمك ظهر المجن ) . وهذه الكلمة تقال لمن كان سلما لأخيه ثم صار حربا عليه . وابن عبّاس حبر وبحر علما وفهما ، ما في ذلك ريب ، ولكنه غير معصوم ، وحياة العامل للإمام هي حياة الزهد والحرمان من أكل المال بالباطل ، والحساب العسير على الدرهم فما دونه . . ولا يطيق هذا إلا معصوم أو شبيه بالمعصوم بخاصة ان عمال معاوية غارقون إلى الآذان في الترف والنعيم . . وكلنا يعلم أن ابن عباس قطع شوطا بعيدا مع الإمام ، وجاهد بين يديه جهادا عظيما ، وان له مواقف في نصرة الحق وأهله ومحاربة الباطل وأنصاره - يشكرها له اللَّه ورسوله ، بل إن اللَّه سبحانه قد استخلصه هو ونفر في عصره لا يتجاوزون عدد الأصابع ، استخلصهم لإعلان الحق على الملأ ، وإذاعته والدعوة سرا وجهرا لحماة الدين وعصمة المؤمنين لا يبتغون جزاء ولا شكورا إلا الوسيلة إلى اللَّه ورحمته والنجاة من غضبه وعذابه . ( أما بعد ، فإني كنت أشركتك في أمانتي إلخ ) . . ان اللَّه سبحانه جعلني أمينا على مصالح عباده ، واخترتك شريكا ومساعدا لي على أداء هذه الأمانة حين جعلتك واليا على البصرة ( ولم يكن رجل من أهلي إلخ ) . . وثقت بك دون الأقارب والأرحام ، لأنك كنت لي سندا وعضدا وفيا بعهدي وأمينا على سري ( فلما رأيت الزمان - إلى - أديت ) . كنت بي بارا ولي مطيعا ، ثم عصيت وجفوت لما جفاني الدهر ، فهل تريد أن تكون له عونا على أقرب الناس إليك ، وأكثرهم رأفة ورحمة بك . ( وكأنك لم تكن - إلى - الكسيرة ) . ان عملك يشبه عمل الجاهلين بدين اللَّه ، أو عمل المرائين الذين يرتقبون الفرصة حتى إذا سنحت وثبوا وغدروا تماما كما يثب الذئب على فريسة لا خلاص لها منه ولا فرار ( فحملته إلى الحجاز إلخ ) . .