محمد جواد مغنية

546

في ظلال نهج البلاغة

الأرض بالقتل والتشريد والنهب والسلب . فكتب عقيل بن أبي طالب كتابا إلى الإمام حول بعض المغيرين وفظائعهم . فأجابه الإمام بقوله : ( فسرحت اليه جيشا إلخ ) . . ضمير اليه يعود إلى المخرب الذي أغار وأفسد ، ولم يصرح الإمام باسمه ، ولا ذكره الشارحون والشريف الرضي ، وتومئ عبارة ابن أبي الحديد إلى أنه بسر بن أرطاة ، ونقل عن الراوندي ان هذا الهارب الخائب هو معاوية ، وسخر ابن أبي الحديد من ذلك ، وقال إنه عجيب ومضحك وبعد أن نقل عنه تفسير الجوازي وقال : « قد كان يجب أن يحجر على هذا الرجل ، ويمنع من تفسير النهج » . . ومهما يكن فالمعنى واضح ، ويتلخص بأن الإمام أرسل للمخرب جماعة من المجاهدين ، فقاتلوه قليلا ، ثم ولى مذموما مخذولا . ( فدع عنك قريشا إلخ ) . . فقد أبوا إلا الضلال والعدوان ، وإعلان الحرب عليّ منذ يومي الأول تماما كشأنهم مع رسول اللَّه ( ص ) . وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 33 و 170 و 215 ( وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال إلخ ) . فإني مصمم بحول اللَّه على جهاد من نكث العهد ، ومن مرق من الدين ، ومن بغى على الخلق ، وعاث في الأرض فسادا ، ولن أتراجع مهما كانت الظروف والعواقب . الإمام والناس : ( لا يزيدني كثرة الناس حولي إلخ ) . . ما لي وللناس كثروا أم قلَّوا ، أقبلوا أم أدبروا فإني ، ما حييت ، لا أصانع إلا وجها واحدا ، ولا أكترث بسواه ما رضي عني ولم يغضب عليّ . . فبالخالق غنى عن الخلق ، ولا غنى بغيره عنه . . هذا هو الدين اليقين ، وبه نطق القرآن والسنّة النبوية ، قال تعالى : * ( « أَتَخْشَوْنَهُمْ فَا للهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْه ُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * - 13 التوبة » أي لا ايمان لمن يؤثر الخوف من اللَّه . وفي الآية 44 من سورة المائدة : * ( « فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا » ) * . ولكن الكثير من أرباب العمائم والقلانس عكسوا الآية . . وقالت لهم أهواؤهم : لا تخشوا اللَّه واخشوا الناس واشتروا بآيات اللَّه ثمنا قليلا . فاستجابوا لها وأطاعوا . . وصلى اللَّه على محمد وآله الذي خاطب ربه بقوله : إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي .