محمد جواد مغنية
527
في ظلال نهج البلاغة
ومناسبة ( والصديق من صدقت غيبته ) شر الناس من صادقك من غير صدق ، يكيل لك المدح في المحضر ، ويذيع السيئات في المغيب ، وإن سمعها أقرها بسكوته مع علمه بأنها زور وافتراء ( والهوى شريك العمى ) إذا غلب الهوى عمي العقل ( وربّ بعيد أقرب من قريب ) لتقارب الأخلاق وتوافقها . . وأيضا كل من أحسن إليك فهو قريب إلى نفسك ، وإن بعدت لحمته ( وقريب أبعد من بعيد ) لتباعد الأخلاق وتنافرها ، أو لنزاع على ميراث أو جاه . ( والغريب من لم يكن له حبيب ) للؤمه وحسده ، أو لتعاظمه وخيلائه ، أو لظلمه واعتدائه ( ومن تعدى الحق ذاق مذهبه ) اي طريقه ، والمعنى من تسلح بغير الحق فهو أعزل من كل حجة ودليل ، وفضيلة ومكرمة ، ولا دواء له إلا الازدراء والقسوة إذا لم يرتدع إلا بها ( ومن اقتصر على قدره كان أبقى له ) إذا لم تدّع بما ليس فيك أحبك الناس ، وأنزلوك فيما أنت أهل له وجدير به ، وإن تجاوزت طورك بخسوا حقك ، وارتابوا في كل قول أو فعل من أقوالك وأفعالك ، وإن كنت فيه من الصادقين ( وأوثق سبب أخذت به إلخ ) . . والسبب الذي بين اللَّه والعبد هو العلم بأحكامه تعالى والعمل بها . ( ومن لم يبالك فهو عدوك ) . قال ابن أبي الحديد ، ونحن معه فيما قال : المراد بهذه الوصية خصوص الولاة ، لأن عدم المبالاة بهم معناه الاستهانة بالقوة الرادعة عن الباطل ، أما سائر الناس فغير مقصودين بهذه الوصية ، لأن اللامبالاة من حيث هي لا تستدعي العداء والبغضاء ( قد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا ) المراد باليأس هنا الحرمان ، وبالإدراك نيل المراد ، والمعنى ربما يتمنى المرء لنفسه شرا من حيث يظن أنه خير محض ، ولا ينكشف ذلك إلا بعد أن يناله ويمارسه ، ومثاله أن يتمنى الزواج من امرأة أعجبته من أول نظرة ، حتى إذا تم ما أراد ، وباشر وعاشر قال : يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا . ( ليس كل عورة تظهر ) فتحت الثياب أفاع وذئاب ، والقلوب صندوق العيوب ( ولا كل فرصة تصاب ) . ما من انسان على وجه الأرض إلا وهو يملك جزءا من الوقت يستمع فيه إلى حكمة ، أو يقرأ ما ينفعه ، أو يفكر في آخرته ومصيره ، أو يكتب أو يغرس أو يذكر اللَّه أو غير ذلك مما يتناسب مع