محمد جواد مغنية
523
في ظلال نهج البلاغة
فإن قصّرت في شيء من حقه فقد انتهكت حرمة الصداقة والاخوة ، وجعلت على نفسك بنفسك سبيلا للمؤاخذة والملامة . قال بعض السلف : ما تحاب اثنان فرّق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما ( ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك ) . من شقي به أهله فهو أشقى الناس على الإطلاق ، لأن من يبغي على القريب ييأس الناس من خيره ويخافون من شره ، ومن يسعد به القريب يرجوه البعيد لعمل الخير . قال رسول اللَّه ( ص ) : « خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي » . هذا ، إلى أن لرب الأسرة وسيرته معها التأثير البالغ في صلاحها وفسادها ، ونعيم البيت أو جحيمه . ( ولا ترغبن فيمن زهد فيك ) . تجاهل من أدبر عنك كأنه لم يكن حتى ولو كانت الدنيا في قبضته . . إن الاستعانة بغير اللَّه ذل وهوان ( ولا يكونن أخوك أقوى إلخ ) . . إذا كان هو أقوى منك على القطيعة والإساءة فكن أنت أقوى منه على الصلة والإحسان ، شريطة ان يكون في صلتك له شيء من الخير والصلاح وإلا فالسلو أفضل ( ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك ) عند اللَّه ، لأن يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم ، كما قال الإمام في مقام آخر . . وليس معنى هذا ان تستسلم للظلم . . كلا ، فإن جهاده فرض ، ومن قصّر فيه فهو شريك الظالم ، ولو علم الظالم ان المظلوم يستميت دون حريته وكرامته لتحاماه . ( وليس جزاء من سرك أن تسوءه ) . هذا كلام مستأنف لا صلة له بما قبله كما توهم بعض الشارحين وقال في تفسيره : ليس جزاء من أساء إليك ان تقابله بالإساءة ، لأنه قد زاد في أجرك عند اللَّه . . ونسي هذا الشارح وجوب الجهاد ضد البغي ، وإن من مات دون عقال من ماله مات شهيدا ، وانه لا معنى للعدل إلا الضرب على أيدي المعتدين ، وان السكوت عنهم هو تشجيع للفساد في الأرض .