محمد جواد مغنية

498

في ظلال نهج البلاغة

والرّهبة من عقوبته ، والشّفقة من سخطه . فإنّه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلَّا عن قبيح . يا بنيّ إنّي قد أنبأتك عن الدّنيا وحالها وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعدّ لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها وتحذو عليها . إنّما مثل من خبر الدّنيا كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب فأمّوا منزلا خصيبا وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء الطَّريق وفراق الصّديق ، وخشونة السّفر ، وجشوبة المطعم ليأتوا سعة دراهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشيء من ذلك ألما ، ولا يرون نفقة مغرما ، ولا شيء أحبّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ، وأدناهم من محلَّهم . ومثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ، ويصيرون إليه . اللغة : سفر - بفتح السين وسكون الفاء - مسافرون . وجديب : ماحل . وأمّوا : قصدوا . والوعثاء : العسر والمشقة . والجشوبة : الغلظة والخشونة . وهجموا عليه : انتهوا اليه بغتة .