محمد جواد مغنية
484
في ظلال نهج البلاغة
وفي صحيح البخاري ومسلم : ان رسول اللَّه قال : اللهم إني أحب الحسن ، فأحببه واحبب من يحبه . وتولى الخلافة بعد أبيه أشهرا ، ثم جرى الصلح بينه وبين معاوية . وتكلم الناس وأطالوا حول هذا الصلح قديما وحديثا ، ومنهم من صوّب ، ومنهم من خطَّأ بخاصة ان معاوية نقض الشروط التي أبرمها على نفسه للإمام الحسن ( ع ) . . روى ابن أبي الحديد ، في أول شرحه لهذه الوصية ، عن المدائني ان معاوية بعد الصلح خطب أهل الكوفة ، وقال لهم فيما قال : « أترون أني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج ، وقد علمت أنكم تصلَّون وتزكون وتحجون ولكني قاتلتكم لأئتمر عليكم وعلى رقابكم . . ألا ان كل شرط أشترطه فتحت قدمي هاتين » . وتكلمنا عن هذا الصلح بنحو من التفصيل في كتاب « الشيعة والحاكمون » . ومجمل القول : إن الذين خطأوا الإمام الحسن في هذا الصلح نظروا إلى ما ينبغي أن يكون ، وتجاهلوا الظروف والأحداث التي أحاطت بالحسن وفرضت نفسها عليه . . اعتمدوا على اللمحة العابرة ، أو النظرية المجردة عن الزمان والمكان ، وصرفوا النظر عما يعترض تطبيقها من العقبات . أما قول من قال : كان على الحسن أن يستشهد كما استشهد أخوه الحسين ، فإنما يصح لو أدى استشهاد الحسن إلى نفس النتيجة التي أدت إليها تضحية الحسين من إحياء الدين وإعلان حقيقة الأمويين ، أما مع اختلاف النتيجة لاختلاف الظروف والمؤثرات - فلا مبرر للقياس . قال العقاد في كتاب « معاوية » : « آلت خلافة الإمام إلى ابنه الحسن في معسكر مضطرب بين الخوارج والشيعة والموالي والأتباع الذين لا يعملون عمل الأتباع طائعين ، ولا يعملون عمل الرؤساء مقتدرين مضطلعين ، وورث الحسن معسكرا لم يطل عليه عهد الولاء لأحد قط ليناضل به معسكرا لم يقع فيه خلاف قط » . ومعنى هذا في واقعه ان الحسن لو لم يصالح لقتل بسيوف معسكره لا بسيوف أعدائه ، كما أوضحنا في كتاب « الشيعة والحاكمون » . والخلاصة أن الحسن أخو الحسين ، وروح أبيه وأخيه بين جنبيه ، وقد استشهد الحسين لخير الإسلام والمسلمين ، وصالح الحسن للغاية نفسها ، ودفعا للضرر الأشد بالضرر الأخف ، لا رهبة من الموت ، ولا رغبة في الحياة .