محمد جواد مغنية

368

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : قال الشريف الرضي : قال الإمام هذا لابن عباس ، وقد جاءه برسالة من عثمان ، وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس باسمه للخلافة بعد أن سأله مثل ذلك من قبل . وقال الشيخ محمد عبده : « كان الناس يهتفون باسم أمير المؤمنين للخلافة ، وينادون به ، وعثمان محصور ، فأرسل اليه عثمان يأمره أن يخرج إلى ينبع ، وكان فيها رزق لأمير المؤمنين ، فخرج ثم استدعاه لينصره فحضر ، ثم عاود الأمر بالخروج مرة ثانية » . فقال الإمام : ( ما يريد عثمان إلا أن يجعلني إلخ ) . ينبع - بفتح الياء وسكون النون وضم الياء - هي أرض من خراج المدينة . قالوا : إن النبي ( ص ) قسّم الأنفال ، فكانت هذه من نصيب الإمام ، فاحتفر بها عينا فخرج ماء ينبع كعنق البعير ، فسماها الإمام ينبع ، ثم أوقفها على الفقراء والمساكين . وتلخيص الحكاية أن الثورة اشتعلت على عثمان في كل نفس بعد أن كان منه ما كان ، وتلاقت جموع المسلمين بالمدينة ، وتراكمت حتى سدت الطرق والمسالك ، وهي تطالب بعزل عثمان أو برأسه ، ودافع الإمام عنه بلسانه ويده وسوطه ، وكان يرسل الماء في القرب إلى عثمان وأهله ، وطلحة يمنع وصوله إليهم . . وكان الثوار يهتفون باسم الإمام للخلافة ، وعثمان يسمع ويغضب ، ويرسل إلى الإمام ان يخرج من المدينة ، فيستجيب ولكن الثورة تزداد غضبا ولهبا ، فيرسل عثمان إلى الإمام أن أقدم ودافع ، فيأتي ويحاول جهده أن يفرق الحشد بالسوط تارة ، وبالتقريع أخرى حتى خشي أن يكون آثما في ذلك ، كما قال ، لأنه ربما ضرب بسوطه من الجموع المحتشدة من لا يستحق الضرب ، وأهان من لا يستحق الإهانة . . وأخيرا جرى المقدّر الذي يعرفه القريب والبعيد . وأشرنا اليه فيما سبق . وفي كتاب « عبقرية الإسلام » للعقاد فصل البيعة : كانت حيرة علي بين التقريب والإبعاد أشد من حيرته بين الخليفة والثوار ، فكان يؤمر تارة بمبارحة المدينة ليكف الناس عن الهتاف باسمه ، ويستدعى إليها تارة ليردع الناس عن مهاجمة الخليفة .