محمد جواد مغنية

35

في ظلال نهج البلاغة

بالعزم على الرحيل إلى اللَّه ، لأنهم آثروا الآجلة على العاجلة ، والباقية على الفانية ، وبعد قليل يذكر أسماء بعضهم ( ما ضر اخواننا - إلى - بعد خوفهم ) . استشهد بعض إخوان الإمام بصفين في سبيل اللَّه فقال : هنيئا لهم ، لقد استراحوا من المأزق الحرج الذي أعانيه من تفرق الكلمة وشتات الرأي . . انهم الآن في جوار ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم اللَّه من فضله « جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري » لا يموت على الحق إلا المجاهدون : ( أين إخواني الذين ركبوا الطريق ) القويم ( ومضوا على الحق ) أي قاتلوا من أجل الحق ، وقتلوا في سبيله ، ومهما شككت فإني لا أشك أبدا في أن ما من أحد يموت ويمضي على الحق إلا إذا جاهد الطغاة أو كان على نية جهادهم . . وليس من الضروري أن يجاهد بالسيف ، فجهاد كل بحسبه ، فالتشهير بالظالم وإذاعة أهدافه واسوائه جهاد ، وكذلك الوقوف بجانب المجاهدين ، والتحسس بأنهم على حق ، ومن الجهاد أيضا الإعراض عمن طغى وبغى ، والكف عن تأييده وانتخابه لمنصب من المناصب . قال الرسول الأعظم ( ص ) « من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية » وهذا الحديث يحمل في ثناياه الدليل على صحّته ، ويعززه قوله ، عز من قائل : * ( « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِه ِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) * - 15 الحجرات » . وكلمة « إنما » حصرت الإيمان بهذه الأركان ، ومنها الجهاد بالنفس والمال ، فهو تماما كالإيمان باللَّه ورسوله . ولا بد من الإشارة إلى أن الكدح في سبيل الأهل والعيال ، والدفاع عن المال الحلال ، وبذل الجهد في طلب العلم ، وكبح النفس عن الحرام ، كل أولئك جهاد في سبيل اللَّه ، وأفضل أنواع الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر ، أما الحج فقد كان جهاد كل ضعيف في عصر الجمل والدواب لا في عصر الطيارة والسيارة . ( أين عمار ) بن ياسر ، أسلم هو وأبوه وأمه ، وكان المشركون يخرجونهم إلى مسيل ماء فيه الحصى ، ويسمى الأبطح ، فإذا حميت الرمضاء عذبوهم بحرّها ، ومر النبي ( ص ) ذات يوم ، وهم يعذّبون . فقال صبرا آل ياسر : فإن موعدكم الجنة ، فمات ياسر في العذاب ، وهو أول شهيد في الإسلام ، وطعن