محمد جواد مغنية
338
في ظلال نهج البلاغة
من دعاهم . فاحذروا الدّنيا فإنّها غدّارة ، غرّارة خدوع ، معطية منوع ، ملبسة نزوع . لا يدوم رخاؤها ، ولا ينقضي عناؤها ، ولا يركد بلاؤها . كانوا قوما من أهل الدّنيا وليسوا من أهلها فكانوا فيها كمن ليس منها . عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون . تقلَّب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة ، يرون أهل الدّنيا يعظمون موت أجسادهم وهم أشدّ إعظاما لموت قلوب أحيائهم . اللغة : الدرة - بكسر الدال - اللبن . والغرة - بكسر الغين - الغفلة . والأجداث : القبور . وظهرانيهم : وسطهم . الإعراب : عليكم بالجد « عليكم » اسم فعل أي الزموا . وفيها خبر كانوا ، وكمن ليس منها الكاف بمعنى مماثلين حالا من الواو في « كانوا » أي كانوا موجودين في الدنيا مماثلين للذين ليسوا من الدنيا ، وإعظاما تمييز . المعنى : ( فعليكم بالجد إلخ ) . . بعد أن أشار إلى الموت قال : أعدوا له عدته ( ولا تغرنكم الحياة الدنيا إلخ ) . . كيف تركنون إليها ، وقد رأيتم مكرها وغدرها بالسابقين واللاحقين ( وأصابوا غرتها ) ذهلت الدنيا عنهم ، أو هادنتهم بعض الوقت انتهبوا فيه الملذات وأشبعوا الشهوات ( وأفنوا عدتها ) أي متاعها من طعام وشراب وجنس ، والمراد بالإفناء مجرد الاستعمال والانتفاع ( وأخلقوا جدتها )