محمد جواد مغنية

311

في ظلال نهج البلاغة

لكم من عذر ( ولهي بما تعدك - إلى - تغرك ) . كل ما أصابك ويصيبك من مرض وفقر ونكبات فقد أنبأتك الدنيا به سلفا بما رأيت وسمعت مما حدث لغيرك من العبر ، ولكنك لم تعتبر ، وأخذتك العزة بالإثم ، وظننت انك قوي لا يضام . ( ولرب ناصح لها عندك متهم ) . المراد بالناصح هنا ما يحدث في الحياة الدنيا من عبر وعظات ، وضمير لها يعود للدنيا ، واللام في « لها » للاختصاص مثل هذا الشعر لفلان ، والمراد بالتهمة الاعراض عن النصيحة ، والمعنى ان الدنيا تنصح وأنت لا تسمع . ومن أقوال الإمام : الاعتبار منذر ناصح ، أي ما يحدث لغيرك هو خير مرشد لك ( وصادق من خبرها مكذّب ) عطف تفسير ، لأن المعنى لا تصدّق من صدقك ( ولئن تعرفتها - إلى - الشحيح بك ) . لو درست أحوال الماضين بإمعان ، واتعظت بما أصابهم - لوجدت الدنيا أشفق عليك من أمك وأبيك بما ألقت عليك من دروس نافعة لو كنت من الذين يعقلون . ( ولنعم دار من لم يرض بها دارا ) أي نعم الدار غيرها ، وهي الآخرة ، أما الدنيا فبئست الدار هي ( ومحل من لم يوطَّنها محلا ) عطف تفسير ( وان السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها ) أي العاملون للآخرة لا للدنيا فقط ( إذا رجفت الراجفة - إلى - بحقه ) . قوله : « فلم يجز » جواب إذا رجفت ، والمراد بخرق البصر وهمس القدم أن ما من شيء له أثر في الحياة الدنيا إلا ويجري عليه الحساب والجزاء عند اللَّه حتى ولو كان طرفة عين أو وطء قدم ، والمعنى إذا قامت القيامة بأهوالها ، ولحق كل عابد بمعبوده ، وكل تابع بمتبوعه - فلا يسوغ إلا الحق ، ولا يجري إلا العدل : * ( « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ ) * - 8 الزلزلة » . ( فكم حجة يومذاك داحضة ) كما قال سبحانه : * ( « فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) * - 57 الروم » لأنهم ظلموا وأفسدوا بعد قيام الحجة عليهم بالبيان والنهي عن الفساد والإفساد ( وعلائق عذر منقطعة ) . العذر هنا بمعنى الحجة ، وانقطاع العلاقة بينه وبين أفعال الغاوين معناه إبطال عذرهم ودحضه ، وعليه يكون العطف للبيان والتفسير . ( فتحرّ من أمرك إلخ ) . . عليك أن تنجسم في أقوالك وأفعالك مع الصدق والعدل ، لتكون الحجة لك لا عليك فيما تقول وتفعل ( وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له ) . الباقي الدار الآخرة ، والفاني الحياة الدنيا ، فخذ من هذه ما ينفعك