محمد جواد مغنية

292

في ظلال نهج البلاغة

وجواب القسم لقد رجعت ، وهو ساد مسد جواب إن الشرطية ، فلو مثّلتهم « لو » حرف امتناع لامتناع كما يقول المعربون ، أو حرف شرط ، ومثلتهم فعله ، ولرأيت جوابه ، ومستسلمات حال من الضمير في « إليها » . المعنى : ( جيران لا يستأنسون إلخ ) . . لا علاقات ولا مواصلات بين أهل القبور تماما كما هو الشأن بين الأحياء والأموات ( فكلهم وحيد ) في أعماق قبر مظلم وموحش ( وهم جمع ) قبورا لا أرواحا ( أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ) . أي هنا بمعنى أحد ، والجديدان هما الليل والنهار حيث يتجددان ويتعاقبان باستمرار ، وضمير « فيه » يعود إلى « أي » والمعنى ان الميت لا يعرف ليلا ولا نهارا سواء أفارق الحياة الدنيا في ذا أم ذاك ، لأن حاله واحدة دائمة لا تحول ولا تزول من حيث القتام والظلام . ( شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا إلخ ) . . كانوا ، وهم أحياء ، يخافون من وحشة القبر ، ولدى العيان رأوا من الفظاعة فوق ما تصوروا ( فكلتا الغايتين إلخ ) . . وهما جنة المتقين ، وجحيم الغاوين ، والمعنى ان المتقين وجدوا عند ربهم أفضل مما وعدهم به من الثواب ، وكذلك الغاوون وجدوا من العذاب فوق ما كانوا يتصورون ( فلو كانوا ينطقون بها - أي بمبالغ الخوف والرجاء - لعيوا بصفة ما شاهدوا ) . كل فريق من المتقين الذين رجوا الثواب ، والغاوين الذين خافوا العذاب - يعجز عن وصف ما هو فيه لو أسعفه النطق . ( ولئن عميت آثارهم - إلى - من ضيق متسعا ) . تكاءدنا : شق علينا وصعب ، وتنكرت : تغيرت ، والمعنى ان الموتى لا يعبرون عن أحوالهم واختباراتهم بلسان المقال ، ولكنهم نطقوا بلسان الحال ، وسمعناهم نحن بآذان العقول يتحدثون ويقولون : الوجوه منا قد تشوهت ، والأجسام قد تهدمت ، والأرواح في شدة وضيق ، ووحدة ووحشة ، وقد طال علينا الأمد ، وانقطع منا الأمل . . وبكلمة أجمع وأبلغ قالها الرسول الأعظم ( ص ) : « ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه » . وهل من صدمة أفظع وأعنف من الدس في التراب حيث لا عدة ولا قوة .