محمد جواد مغنية
275
في ظلال نهج البلاغة
يكثر فيه الثناء عليه ، ويذكر سمعه وطاعته . فقال ( ع ) : ( ان من حق من عظم جلال اللَّه سبحانه في نفسه إلخ ) . . نحن نقرأ ونسمع مبهورين عن العقول الالكترونية ، وصعود الانسان على القمر ، وغير ذلك من ابتكار العلم . . أما الذي تمكنت في نفسه عظمة الخالق وجلاله فإنه لا يرى ذلك ولا العقل الذي هو مصدر العلم والابتكار ولا الكون بما فيه - لا يرى كل أولاء شيئا مذكورا إلى جانب ذرة من عظمه اللَّه وجلاله ، بل يزداد إيمانا باللَّه وفهما لعظمته ، لأنه هو المبدأ الأول لكل شيء . وتقدم في الخطبة 191 قول الإمام ( ع ) في وصف المؤمنين : « عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم » . والإمام سيد العارفين باللَّه وكماله وجلاله ، وأعلم العلماء بأن معرفته هذه هي من أعظم نعم اللَّه عليه ، وانه أحق الناس أن يشكره عليها ، ومن شكره وتواضعه للَّه أن يرى كل ما سواه حتى نفسه ليس بشيء ، وإذن كيف يسمح ويسمع للمديح والإطراء . ( وان أحق من كان كذلك ) أي ان من صغّر وحقّر كل ما سوى اللَّه هو الذي ( عظمت نعمة اللَّه عليه ، ولطف إحسانه اليه ) والإمام يشعر من الأعماق بعظيم نعم اللَّه عليه ، ولطيف إحسانه إليه ، وذلك بأنه أول من آمن برسول اللَّه من الذكور ، وجاهد بين يديه ، وفداه بنفسه ، وأخذ العلم عنه حتى قال واثقا : سلوني قبل أن تفقدوني . وما دامت نعم اللَّه عليه كثيرة وعظيمة فحقوقه عليه كذلك ( فإنه لم تعظم نعمة اللَّه على أحد إلا ازداد حق اللَّه عليه عظما ) . وقديما قيل : « وكما تراني يا جميل أراك » نقول هذا ، ونحن نعلم بأن أحدا لا يبلغ من شكره تعالى بعض ما تستوجبه نعمة واحدة ، فكيف بما لا يبلغها العد والإحصاء . ( وان من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس إلخ ) . . العقلاء يسخرون من الحاكم الذي هو مظنة الكبر والفخر ، ويرونه سخيفا وحقيرا في نفسه وواقعه ، قال رسول اللَّه ( ص ) : « آفة الحسب الافتخار . . حسب المرء دينه وأدبه » . والحسب في اللغة كل ما يعد من المفاخر في مفهوم العامة ( وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم إلخ ) . كيف تظنون بي حب الثناء ، وأنا أكرهه ، وأكره من يحبه ومن يظن اني أحبه ، وأحمد اللَّه على هذه الكراهية ( ولو كنت أحب - إلى - الكبرياء ) الإمام يكره المديح ، ولو افترض أن حدثته به نفسه لزجرها تأدبا مع اللَّه ورسوله ، فإنهما أحق منه بذلك وأولى . ( وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء ) أي بعد أن أجهدوا أنفسهم في العمل