محمد جواد مغنية

223

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : ( انما الدنيا دار مجاز ) هي طريق ، والغاية القيامة ( والآخرة دار قرار ) وخلود ، لا موت فيها ، ولا انتقال منها ( فخذوا من ممركم ) أي اعملوا في دنياكم ( لمقركم ) . سئل النبي ( ص ) عن أفضل الأعمال فقال : بذل السلام للعالم . وقال الإمام : بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد . ومن فضل اللَّه ورحمته انه جعل مجرد حب الخير للناس وكف الأذى عنهم وسيلة لمرضاته وثوابه ، قال رسول اللَّه ( ص ) لأبي ذر : كف أذاك عن الناس ، فإنه صدقة تتصدق بها على نفسك ( ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم ) . إذا عملتم خيرا في السر فلا تنطقوا به وتعلنوه أمام الناس ، فإن اللَّه يعلمه منكم ، ويثيبكم عليه . وقيل : معناه لا تتجاهروا بالمعصية . وهو بعيد عن دلالة اللفظ . ( وأخرجوا من الدنيا قلوبكم إلخ ) . . أي من حرامها : * ( « قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) * - 33 الأعراف » . ( ففيها اختبرتم ، ولغيرها خلقتم ) . خلق الانسان للبقاء والخلود في الآخرة ، أما الدنيا فهي لمجرد الاختبار والتمييز بين من يستحق النعيم ومن يستحق الجحيم في دار الحساب والجزاء ( إن المرء إذا هلك قال الناس : ما ترك ) من حطام الدنيا . . وهذا شيء طبيعي ، لأنهم أبناء الدنيا ، وهي هممهم وشغلهم ( وقالت الملائكة : ما قدّم ) وهذا طبيعي أيضا ، لأنهم من أهل الآخرة ، ولا يمتون إلى الدنيا بسبب . ( للَّه آباؤكم ) . الآباء غير مقصودين على الاطلاق ، والقصد مجرد التعجب من انصراف المخاطبين عن الآجلة الباقية إلى العاجلة الفانية ( فقدموا بعضا ) من عمل الخير ( يكن لكم قرضا ) أي دينا تستوفونه يوم لا ينفع مال ولا بنون . وفيه إيماء إلى قوله تعالى : * ( « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ ا للهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَه ُ لَه ُ ) * - 245 البقرة » . ( ولا تخلفوا كلَّا ) لا تتركوا للوارث كل أموالكم دون أن تنفقوا منها شيئا في سبيل اللَّه ( فتكون فرضا عليكم ) ان أنفقتم كان الدّين لكم ، وان أمسكتم كان الدين عليكم ، تحاسبون عليه يوم القيامة ، ولا تستطيعون الوفاء .