محمد جواد مغنية
165
في ظلال نهج البلاغة
وهذا شأن العاقل مؤمنا كان أم كافرا ، لا ييأس ويستسلم مهما كانت المصاعب . وأيضا يحتاط ، ويحذر العواقب ، وان أقبلت الدنيا عليه بكاملها . ( ولولا الأجل الذي كتب عليهم إلخ ) . . انهم في قلق دائم ، يتنازعهم عاملان : رجاء الثواب ، والخوف من العقاب ، وتعادلت قوة هذا مع قوة ذاك ، وإذا توازنت القوى بين المتصارعين كان لكل أثره البالغ ، ومن أجل هذا لم تستقر أرواح المتقين وأجسادهم طرفة عين ، ومن أين يأتيها الاستقرار ، وهي ساحة وميدان لهذه الحرب الشعواء ولولا الأجل المكتوب لذهبت أنفسهم ضحية الخوف والقلق . ( عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ) . أبدا لا تنفك المسببات عن أسبابها ، والنتائج عن مقدماتها . فالضعيف ينهزم أمام القوي ، والجهل أمام العلم ، والعقيدة تحطم الحواجز ، والإخلاص يبعث على التضحية ، وكذلك من أيقن باللَّه وجلاله ، وقدرته وكماله فإنه يرى كل من عداه وما عداه هباء وسرابا ، ولذا لا يبحث إلا عن مرضاة اللَّه ، ولا يصدر في أعماله إلا عن قصد التعظيم للَّه ، والرغبة في ثوابه ، والرهبة من غضبه وعذابه . ( فهم والجنة كمن قد رآها إلخ ) . . هذا تصوير ليقينهم وإيمانهم باللَّه ، وانهم قد بلغوا الذروة منه عن علم وبصيرة لا عن تقليد ومحاكاة . وقال سبحانه حكاية عن الجاحدين : * ( « فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِالله وَحْدَه ُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِه ِ مُشْرِكِينَ ) * - 84 غافر » . أما صفوة المتقين فقد رأوا بأس اللَّه وعذابه ، وهم في دار الدنيا ، رأوه بنور العلم والايمان بلا شبهة ووسوسة شيطان ، وأشفقوا منه وابتعدوا عن طريقه . ( قلوبهم محزونة ) مخافة التقصير في جنب اللَّه والحق . وكفى المرء نقصا أن يرى نفسه كاملا ( وشرورهم مأمونة ) . قال رسول اللَّه ( ص ) : شر الناس من تخاف الناس من شره . وقال الإمام : طوبى لمن عزل شره عن الناس . أسوأ الناس من لم يثق بأحد لسوء ظنه ، ولا يثق به أحد لسوء فعله ( وأجسادهم نحيفة ) من السهر والعمل فيما يرضي اللَّه ( وحاجاتهم خفيفة ) لا يطلبون من الدنيا إلا سد الحاجة ( وأنفسهم عفيفة ) استغنت بحلال اللَّه عن حرامه . ( صبروا أياما قصيرة - إلى - ربهم ) . ما من أحد إلا ويحتاج إلى شيء من