محمد جواد مغنية
160
في ظلال نهج البلاغة
وقوعه بالفعل ، ولا نخلط بينهما ، فإذا أردنا أن نثبت أو ننفي حادثة ما - تعين علينا أن نبدأ أولا من مرحلة الإمكان والجواز ، فإن كانت الحادثة جائزة الوقوع في ذاتها - انتقلنا إلى مرتبة الوقوع ، ونظرنا : هل وقعت أم لا ، كالصعود للقمر ، أما إذا كانت الحادثة ممتنعة الوقوع عقلا وذاتا - فيجب نفيها بلا توقف وبحث ، لأن ما امتنع إمكانه امتنع وقوعه حتما ، مثل دخول الجمل بطوله وعرضه في سم الخياط على ضيقه . والمعجزة بشتى أنواعها ممكنة الوقوع ، فإذا نقلت الينا بطريق صحيح وجب التصديق . وبكلام آخر ان عالم الإمكان متقدم على عالم الوجود في الخارج بحكم البديهة . . والعقل هو الذي يفسر لنا أن هذا الشيء يمكن أن يوجد ، أو يستحيل وجوده في ذاته . . وإذن فمسألة الإمكان والامتناع نظرية عقلية بحتة ، فإذا حكم العقل بإمكان وقوع الشيء كالصعود للقمر والمريخ - بحثنا عنه في عالم الوجود ، ولكن لا يصح بحال أن ننفيه أو نثبته إلا بالملاحظة والمشاهدة مباشرة ، أو بالرواية الصادقة عمن شاهد وعاين ، ولا ميدان للعقل ونظرياته في عالم الوقوع نفيا وإثباتا إلا إذا كان بين الشيء الذي رأيناه بالفعل وبين ما غابت عنا رؤيته - ملازمة عقلية كالملازمة بين الأثر والمؤثر والعلة والمعلول . والذي أنكر المعجزات ونفاها من عالم الوجود لم يعتمد في انكاره هذا على الملاحظة والمشاهدة ، كما يجب ، وإنما اعتمد على العقل ونظرياته ، وهذا عين الخطأ والخلط بين عالم الإمكان الذي هو من شأن العقل ووظيفته ، وبين عالم الوقوع الذي هو من شأن الملاحظة والمشاهدة . وعلى هذا يكون الاستدلال بالعقل على نفي المعجزة من الوجود تماما كالاستدلال به على نفي القمح من دكان القصاب لا لشيء إلا لأنه يبيع اللحم . وتسأل : ان الصعود للقمر الذي جعلته مثلا قد حصل بوسائل طبيعية معروفة ، أما المعجزة فليس لها من سبب معلوم . الجواب : قلنا : إن المعجزة لا بد أن تكون ممكنة الوقوع ، لا من النوع المستحيل عقلا ، وهذا هو المهم ، أما كون سبب وجود المعجزة غير طبيعي فليس