محمد جواد مغنية
153
في ظلال نهج البلاغة
من أن تحصر ، ولعل أولها في تاريخ الدعوة مبيته ليلة الهجرة على فراش ابن عمه متوقعا ما سيحيق به من الموت المباغت إذ أحاط به الأعداء من كل صوب ، فهانت عليه نفسه وراء ما ينشد من تفدية صاحب الدعوة ، ومكث الليل الطويل ينتظر الموت ما بين لحظة وأخرى ، وقد برقت الأسنة ، ولمعت السيوف . . ان مخاطرات علي الفدائية تغلغلت في أعماقه حتى غدت احدى وسائل النصر في بطولاته ، وحسبك أن تعلم أنه في طليعة المتقدمين في ميدان المبارزة الحربية ، وانه بطل الإسلام » . أما الكاتب الإسلامي المصري الأستاذ عبد الكريم الخطيب فقد استوحى من المبيت معنى دقيقا ما سبقه اليه عالم وباحث ، قال في كتاب علي بن أبي طالب ص 105 وما بعدها طبعة 1967 : « هذا الذي كان من علي في ليلة الهجرة . . لم يكن أمرا عارضا ، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها ، فلنا أن نسأل : أكان لإلباس الرسول ( ص ) شخصيته لعلي أكثر من جامعة القرابة القريبة بينهما . وهل لنا أن نستشف من ذلك - أي من أن الرسول ألبس شخصيته لعلي - انه إذا غاب شخص الرسول كان علي هو الشخصية المهيأة لأن يخلفه ، ويمثل شخصيته ، ويقوم مقامه . . وأحسب اننا لم نتعسف كثيرا حين نظرنا إلى علي ، وهو في برد الرسول ، وفي مثوى منامه الذي اعتاد أن ينام فيه - فقلنا : هذا خلف الرسول والقائم مقامه » . وبحق قال الأستاذ الخطيب : إن شيعة علي لا يقيمون شاهدا من هذه الواقعة يشهد لعلي انه أولى الناس برسول اللَّه على حين نراهم يتعلقون بكل شيء يرفع عليا إلى تلك المنزلة أي الخلافة . ولي أن أجيب عن الشيعة بأنهم لا يستدلون بشيء على خلافة إمامهم إلا بأقوال السنّة ، وعلى هذا جرت عادتهم منذ القديم تجنبا لمواطن التهم . . وما رأوا أحدا قبل الأستاذ الخطيب استدل بهذه الواقعة على أولية علي بالخلافة ، ولما أنطقه اللَّه به أخذوه عنه ، كما فعلت أنا . ثم قال الخطيب الكريم : « إن عليا خدع قريشا بمبيته على فراش رسول اللَّه ، ومكر بها عن محمد حتى أفلت من بين أيديها ، وسلم من القتل ، وقد صفعها علي بفعلته هذه صفعة مذلة ومهينة ، فأضمرت قريش لعلي السوء ، وأرهقته وتجنت عليه بعد أن دخلت