محمد جواد مغنية

126

في ظلال نهج البلاغة

لو زود سبحانه الأنبياء بمتاع الحياة الدنيا ( لسقط البلاء ) والاختبار والامتحان ، لأن الناس عبيد الدنيا ، ولمن في يده شيء منها ، وعليه يكون إيمانهم بالأنبياء الأغنياء إيمانا بالمال لا برسالة اللَّه وأنبيائه . ( وبطل الجزاء ) لأنه لغير اللَّه ( واضمحلت الأنباء ) والأحاديث عن الأنبياء وسيرتهم وعظمتهم وشريعتهم حيث يكون الحديث عنهم ، والحال هذه ، حديثا عن الدنيا التي يملكونها ، لا حديثا عن اللَّه وحلاله وحرامه ( ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ) لأن المراد بالمبتلى من أظهره التمحيص على حقيقته ولن يكون هذا إلا في الضراء وساعة العسرة ( ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ) لأن أهل الإحسان يعطون ولا يطمعون في الربح ( ولا لزمت الأسماء معانيها ) لكل كلمة معنى تدل عليه ، ولكل اسم مسمى يفهم منه ، ومعنى الإيمان باللَّه ورسله هو التصديق به وبهم ، ولو أسمينا من آمن طمعا ، أسميناه مؤمنا - لوضعنا الكلمة في غير مدلولها ، والاسم في غير مسماه . ( ولكن اللَّه سبحانه جعل رسله أولي قوة إلخ ) . . أولياء اللَّه أهون الناس شأنا عند الطغاة وأهل الدنيا ، لفقرهم وقلة يدهم ، ولكنهم أغنياء بالصدق والأمانة ، وبالهداية والتقوى ، بل هم أقوى وأغنى من خلق اللَّه ويخلق على الإطلاق ، لا تهزمهم الملوك والجبابرة عن عزمهم ولا تثنيهم الشهوات والأموال عن دينهم وضمائرهم ( ولو كانت الأنبياء أهل قوة إلخ ) . . بما ذا تبرهن على تجردك للحق . أبانقيادك له رغبة أو رهبة ، أو بإيمانك به لوجه الحق وثباتك عليه حتى ولو دفعت الثمن غاليا من نفسك وأهلك ومالك . والجواب واضح وبسيط ، فمن آمن خوفا أو طمعا فهو تاجر ، ومن آمن لوجه الحق وحده مهما تكن النتائج والعواقب فهو المؤمن حقا وواقعا ، وعلى هذا لو كانت الدنيا مع الأنبياء لآمن من في الأرض جميعا ، واختلط الحابل بالنابل ، والمؤمن بالفاجر . ( فكانت النيات مشتركة ، والحسنات مقتسمة ) لو أن الدنيا مع الأنبياء وآمن بهم من آمن لكان ايمانه مشوبا بحب الدنيا ، وهذا هو معنى الاشتراك ، وأيضا كان عمله بأمر من الأنبياء موزعا بين حب اللَّه وحب الدنيا ، وهذا هو المراد بالتقسيم ( ولكن اللَّه سبحانه أراد أن يكون الاتباع - إلى - شائبة ) . جرد سبحانه أنبياءه من زينة الدنيا ليكون الإيمان خالصا لوجهه الكريم ، قال تعالى :