محمد جواد مغنية
12
في ظلال نهج البلاغة
الإعراب : لا تدركه الضمير للَّه سبحانه . وقريب وما بعده من الأوصاف أخبار لمبتدأ محذوف أي هو ، وغير حال . المعنى : قال قائل للإمام ( ع ) : هل رأيت ربك فقال له : أفأعبد ما لا أرى : قال السائل : وكيف تراه قال الإمام : ( لا تدركه العيون إلخ ) . . المعرفة على أنواع : منها حسية ، وتقوم على موضوعات من مرئيات ، ومسموعات ، وروائح ، ومذاقات ، وملموسات ، وهذه كلها إحساسات مادية ، واللَّه منزه عن المادية ، وإذن فالطريق إلى معرفة وجوده لا يقف عند الحس وحده . ومنها عقلية ، وهي أن ينتقل بنا العقل من معلوم إلى مجهول ، من شاهد محسوس إلى واقعة تترتب عليه ، ولا تنفك عنه بحال ، من شاهد إلى غائب ، مهما شئت فعبّر . وقد شاهدنا الكون بقوانينه الثابتة العامة الشاملة لكل ركن من أركانه ، شاهدنا ذلك بالحس ، فانتقل العقل بنا إلى وجود سلطة خالقة مدبرة تماما كما انتقل عقل « نيوتن » من مشاهدة التفاحة تسقط من الشجرة على الأرض - انتقل من ذلك إلى حقيقة قانون الجاذبية ، وامتلأ قلبه إيمانا بهذه الحقيقة ، وقلَّده كل العلماء ثقة بصدقه . لقد رأت العيون الخلق ، وحكم العقل وجزم بوجود الخالق ، واعتقد القلب وآمن . وهذا ما عناه الإمام بقوله : ( تدركه القلوب بحقائق الإيمان ) . أي آمن القلب حقا واقعا لأنه رأى بعين الحس والعقل ( قريب من الأشياء غير ملامس ، بعيد منها غير مباين ) هو قريب من الأشياء ، لأنها في قبضته وعلمه وتدبيره ، وهو غير ملامس ، لأنه ليس بجسم فيلمس ، وهو بعيد عن الأشياء بذاته وصفاته وآثاره ، وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 49 . ( متكلم لا بروية ) وجولة فكر في معنى الكلام وإنشائه ، بل يخلق الكلام كما يخلق الأعيان ، لإفهام قصده ومراده وبيان أمره ونهيه ( مريد لا بهمة ) . إذا أراد الانسان شيئا فلا يوجد هذا الشيء بمجرد أن يريد ، بل لا بد من الاهتمام بالأسباب الموجبة ، والسعي والعمل ، ومع هذا الاهتمام والسعي قد يوجد المراد ،