محمد جواد مغنية
118
في ظلال نهج البلاغة
وجاحدوا اللَّه ما صنع بهم . مكابرة لقضائه ، ومغالبة لآلائه ، فإنّهم قواعد أساس العصبيّة . ودعائم أركان الفتنة ، وسيوف اعتزاء الجاهليّة . فاتّقوا اللَّه ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، ولا لفضله عندكم حسّادا . ولا تطيعوا الأدعياء الَّذين شربتم بصفوكم كدرهم ، وخلطتم بصحّتكم مرضهم ، وأدخلتم في حقّكم باطلهم ، وهم أساس الفسوق وأحلاس العقوق . اتّخذهم إبليس مطايا ضلال ، وجندا بهم يصول على النّاس . وتراجمة ينطق على ألسنتهم . استراقا لعقولكم ودخولا في عيونكم ، ونفثا في أسماعكم . فجعلكم مرمى نبله ، وموطىء قدمه ، ومأخذ يده . فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللَّه وصولاته ، ووقائعه ومثلاته ، واتّعظوا بمثاوي خدودهم ، ومصارع جنوبهم ، واستعيذوا باللَّه من لواقح الكبر كما تستعيذونه من طوارق الدّهر . فلو رخّص اللَّه في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه وأوليائه . ولكنّه سبحانه كرّه إليهم التّكابر ورضي لهم التّواضع . فألصقوا بالأرض خدودهم ، وعفّروا في التّراب وجوههم . وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، وكانوا أقواما مستضعفين . وقد اختبرهم اللَّه بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة ، وامتحنهم بالمخاوف ، ومخضهم بالمكاره . فلا تعتبروا الرّضا والسّخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنة والاختبار