محمد جواد مغنية

99

في ظلال نهج البلاغة

جهاد الظلم وأهله ، وحث عليه بشتى الأساليب ، من ذلك قوله : الموت في حياتكم مقهورين ، والحياة في موتكم قاهرين . . إن أكرم الموت القتل . أي من أجل الدفاع عن الحق . ويجب هذا الجهاد في الدرجة الأولى على العلماء ، لأن اللَّه سبحانه قد أخذ العهد عليهم أن لا يقروا ظالما على بطنته وتخمته ، ولا مظلوما على فقره وسبغه ، كما جاء في الخطبة الشقشقية ، وكيف يقر الدين ويسكت علماء الدين حقا عن الذين يختلسون أقوات الكادحين ، ويحرمونهم من ثمرات كدحهم وعرقهم ولا حظت ، وانا أتتبع أقوال العلماء القدامى أن ما من عالم كبير أو صغير أشار إلى حقوق المستضعفين ومصالحهم ، ولا إلى ظلم الحاكمين وجورهم . . بل رأيت بعض كبار العلماء يمجد سلطان زمانه ، ويدعو له بالعمر المديد ، وتوطيد الحكم والنفوذ على المساكين والمعذبين ، وإذا ألف كتابا افتتحه بحمد اللَّه الذي أنعم على عباده بشاهنشاه وملك الملوك . . هذا وهو يفتي في نفس الكتاب بقطع يد السارق ، وجهاد الظالم والخائن ، ويشترط في الولاية الاخلاص والأمانة . . وكأن اللصوصية والخيانة لا تغني استغلال الملايين ، وسرقة جهود الكادحين ، وانها تختص بسرقة المحفظة من الجيب ، والمتاع من البيت . . وان دل هذا على شيء فإنه يدل على الاعتقاد بأن الفقر ، أو الاستغلال هو من السماء لا من الأرض ، أو على أن هذا العالم وأمثاله كانوا يعيشون في أبراج من العاج ، وان التخمة والدعة ابتعدت بهم عن المشاركة الوجدانية والإحساس بآلام المحرومين . ( فويل لك يا بصرة إلخ ) . . قال ابن أبي الحديد : كنّى الإمام بالجيش عن جدب وطاعون يصيب أهل البصرة حتى يبيدهم ، وكنى بالموت الأحمر عن الوباء ، وبالجوع الأغبر عن الجدب والمحل ، والجائع يرى الآفاق كأنّ عليها غبرة وظلاما .