محمد جواد مغنية
86
في ظلال نهج البلاغة
- إلى - بلغوه ) . كل ما يقع حتما في المستقبل القريب أو البعيد فهو بمنزلة الواقع ، والموجود بالفعل ، ونحن الأحياء لم نقطع المسافة إلى الموت ، ولم نصل بعد إلى هذه الغاية ، ولكنا بحكم من قطع وبلغ ، لأنّا إلى الموت لا محالة ، لذا شبهنا الإمام ( ع ) بمن انتهى من سفره ووصل إلى غايته ونهايته . ( وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها ) . كلنا يسير إلى لحده ، أما أمد هذا السير فهو العمر كله . . وما أقصر عمر الانسان ، وان عاش مئة عام ( وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ) . أنت باق ومعمّر إلى أجل معدود ، وإذن فما قيمة هذا العمر ما دام إلى زوال وفناء اللهم إلا إذا أخذت فيه من ممرك إلى مقرك ( وطالب حيث من الموت يحدوه ) ويسرع به إلى الحساب والجزاء ( ومزعج في الدنيا عن الدنيا حتى يفارقها رغما ) . الحياة الدنيا أمدها قصير ، ومع ذلك نتركها على كره ، وقبلّ أن نبلغ منها ما نشتهي ونريد . ( فلا تنافسوا - إلى نعيمها ) . لا تتكالبوا وتتناحروا على المال والجاه ، ولا تباهوا وتضاهوا في شيء من حطام الدنيا ، فالكل إلى زوال . ( ولا تجزعوا - إلى - فناء ) . لما ذا يكره بعضنا بعضا من أجل الحطام ، وتذهب أنفسنا حسرات إذا فاتنا شيء منه ، وقد أدركنا وأيقنا تماما انه ظل وخيال . . إن من يؤمن باللَّه حقا ، ويثق بعدله وجزائه ، لا يفرح أو يحزن ، ولا يحب أو يكره إلا للَّه وفي اللَّه . . انه يعمل ويبذل غاية الجهد كي ينجح في مسعاه ، ولكنه لا يتعدى حدود اللَّه بحال ، لا ينازع الناجحين ، أو يشمت بالفاشلين ( أوليس لكم - إلى - لا يبقون ) . العاقل يتعظ بغيره ، وكل الدنيا بما فيها عظات ، فالسلف جمع وكنز ، ثم ذهب إلى غير رجعة ، والخلف يمضي على أثره . واذن فعلا الغرور وبمن نغتر أبمن صار ترابا يداس بالأقدام ، أو بمن يدس غدا أو بعد غد في التراب . ( أو لستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى ) . للإنسان ميول كثيرة ومتنوعة ، وللحياة الدنيا جهات لا يحصيها العد ، وكل واحد ينظر إلى الدنيا من زاويته وعقيدته ، ورأي الإمام في الدنيا انها ممر لا مقر ، وان الانسان فيها ضيف إلى أجل ، ثم إلى دار الخلود . واذن فلا بدع إذا قاسها