محمد جواد مغنية

54

في ظلال نهج البلاغة

أبايعك ، وأملأها عليهم خيلا ورجلا ، فانتهره الإمام ، وقال له : ما زلت تكيد للإسلام وأهله . ولو قبل الإمام البيعة لبايعه آل هاشم ، وكثير من المهاجرين والأنصار ، ولكنه آثر مصلحة الإسلام ، ووحدة المسلمين ، واكتفى بالاحتجاج والانكار على أبي بكر وقال له - كما جاء في الإمامة والسياسة لابن قتيبة - : أنا عبد اللَّه وأخو رسول اللَّه ، وأحق بهذا الأمر منكم ، وأنتم أولى بالبيعة لي . . . نحن أهل البيت أولى بالنبي ما دام فينا الفقيه في دين اللَّه ، العالم بسنن رسوله ، المضطلع بأمر الرعية ، الدافع عنها ، القاسم بينهم بالسوية ، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل اللَّه . وهذه أول عين للفتنة فقأها الإمام بعد رسول اللَّه ( ص ) . 2 - اغتصبوا فدكا من بضعة رسول اللَّه ، وحاولوا أن يحرقوا البيت عليها وعلى بعلها وأولادها ، فصبر الإمام حرصا على وحدة الكلمة . 3 - عهد أبو بكر بالخلافة من بعده إلى عمر ، فسكت الإمام خوفا من إيقاظ الفتنة . 4 - صرفها عنه عمر إلى عثمان تحت ستار الشورى ، فتحمل للغاية نفسها . 5 - نكث طلحة والزبير ، وأخرجا أم المؤمنين من خدرها ، يغرسون بذور الفتنة ، فقضى عليها الإمام وعلى الغارس والحارث . 6 - مرق الخوارج من الدين ، وقطعوا طريق المسلمين ، يقتلون ويخربون ، ذبحوا الرجال ومنهم عبد اللَّه بن خباب ، وبقروا بطن امرأته ، وقتلوا النساء ، ومنهم أم سنان ، وقد صحبت رسول اللَّه ( ص ) . فقاتلهم الإمام ، وما سلم منهم إلا القليل . إلى غير ذلك من الفتن التي قطع الإمام عليها الطريق قبل ان تنمو وتثمر ، ومنها الشبهات التي كانت تثار حول الاسلام ، وتكاد تضلل بعض العقول والأفكار . . وهذا وما اليه دعا الإمام إلى أن يقول : « اسألوني » . أما قوله : « ولم يكن ليجرأ إلخ » . . فمعناه انه هو وحده الكفؤ للقضاء على الفتن ودفع الشبهات ، ويومئ إلى ذلك قوله : « وفشل كثير من المسؤولين » . وذهب ابن أبي الحديد مذهبا آخر في تفسير « ليجرأ » وتبعه من جاء بعده من الشارحين . ولعل تفسيرنا أقرب وأرجح .