محمد جواد مغنية
416
في ظلال نهج البلاغة
على أي فعل إلا إذا اعتقد فاعله بتحريمه ، وعندئذ ننظر إلى مصدر هذا الاعتقاد ، فإن كان وليد التربية أو الدين أو المجتمع فهو مكتسب لا محالة ، وان لم يستند إلى شيء من ذلك بشكل من الأشكال فهو فطري وذاتي بحكم البديهة - مثلا - إذا أكل الهندوكي من لحم البقرة ، ثم أنبه ضميره على أكله فهذا الضمير انعكاس عن الدين والمجتمع ، وكذلك المسلم إذا أكل لحم الخنزير أو الميتة ، وإذا أساء واحد من الناس عن قصد وعمد لمن أحسن اليه لا لشيء إلا لأنه أحسن اليه ، ثم ندم وأحس بالذنب والخطيئة فهذا المؤنب المؤدب هو الضمير الفطري ، لأنه من الداخل لا من الخارج . أما تحريم الدين والمجتمع لهذه الإساءة فلا مصدر له إلا الضمير المشترك بين جميع الناس أي ان تحريم الدين والمجتمع لهذه الإساءة هو فرع وتبع لحكم الفطرة والضمير . والى هذه الفطرة أو الضمير أشار النبي ( ص ) بقوله : « البر ما اطمأنت اليه النفس ، واطمأن اليه القلب ، والاثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وان أفتاك الناس وأفتوك » وعلى هذا الأساس كان سقراط يحاول ويجادل الناس ، وهو يطوف في الشوارع والأسواق . هذا ، إلى أن أكثر الزامات الدين والمجتمع تتخذ منطلقها من الضمير الفطري وأي إلزام لا يستند إلى الفطرة مباشرة أو ينتهي إليها فما هو بشيء . . لو نفينا هذا الوازع الذاتي عن الانسان لجردناه من إنسانيته ، وكان هو والحيوان سواء في القياس ، وكان قولنا : هذه الفكرة خطأ وتلك صواب ، وهذا خير وذاك شر - لغوا وهراء . ( يذهب اليوم بما فيه إلخ ) . . الأيام تسرع حتى كأنه لا فرق بين السابق منها واللاحق ، ولا بين الطويل والقصير ، ولا معنى لسرعة الأيام إلا فناء العمر وذهابه ، واننا في هذه الحياة ضيوف موقتون . . وعلى هذا جرت سنته تعالى في الأولين والآخرين ، وإذا كنا ضيوف هذه الدار بشهادة العيان فهل هناك حياة ثانية ننتقل إليها بعد الموت ، أو ان من مات فات وأجبنا عن هذا السؤال بأساليب شتى فيما تقدم ، ويتلخص بعضها بأن من لا يؤمن باللَّه وعدله فلا يحق له ان يطلب الدليل على ثبوت اليوم الآخر ، وله كل الحق أن يطلب الدليل على وجود اللَّه ، أما من يؤمن باللَّه وعدله فيتحتم عليه أيضا أن يؤمن باليوم الآخر ، والتفكيك محال ، لأن الإيمان بالعدل الإلهي لا يستقيم إلا مع الإيمان بأن مصير