محمد جواد مغنية
402
في ظلال نهج البلاغة
الناس يناقش ويجادل في توبة عائشة وطلحة والزبير ، وهذا لغو وعبث ، لأن الاعتراف بالتوبة يشكل الاعتراف بالذنب . لا ايمان بلا عمل : ( سبيل أبلج المنهاج ، أنور السراج ) . الايمان باللَّه وكتبه ورسله حق ونور ، ما في ذلك ريب ، ولكن إذا كان هو الطاقة الدافعة إلى العمل بموجبه وإلا كان سرابا وضبابا بحكم العقل والنقل ، وأشار الإمام إلى دليل العقل بقوله : ( فبالايمان يستدل على الصالحات ، وبالصالحات يستدل على الايمان ) . ولا يمكن التسليم بهذا الاستدلال إلا على أساس الملازمة الحتمية بين وجود الايمان ووجود العمل بموجبه بحيث يكون أحدهما علة للآخر ، أو يكونان معلولين لعلة ثالثة ، وعندها ينقلنا العلم بوجود أحدهما إلى العلم بوجود الآخر . أما النقل الدال على أنه لا ايمان بلا عمل فكثير وصريح ، ومنه قوله تعالى : * ( ولا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * - 54 يس . * ( اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ) * - 7 التحريم . وهذا الحصر يؤكد ان الايمان المجرد عن العمل لا ثواب عليه ، واذن فهو هواء وهباء ، وتواتر عن النبي وأهل بيته ( ص ) : ان المرء مرهون بعمله ، وان عمله يدفن ويحشر معه ، وانه لا يسأل إلا عنه . . حتى ذهب بعض العلماء إلى أن اللَّه سبحانه سيخلق غدا أعمال الانسان في صورة مجسمة تحس وتلمس ، واستدل بقوله تعالى : * ( يُرِيهِمُ الله أَعْمالَهُمْ ) * - 167 البقرة . وقوله : * ( وقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناه هَباءً مَنْثُوراً ) * - 23 الفرقان . وقوله : * ( والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه ) * - 10 فاطر . ونحن لا نشك في أن المراد بالعمل هنا جزاؤه لا نفسه ، وأيضا لا نشك ان ما في الجنة من ثمار وأنهار ، وقصور ورياش ، وحور وولدان ، وما في جهنم من حريق ولهيب ، وصديد وقطران ، وزقوم وأشجان ، لا نشك أبدا ان كل أولاء حصيد وثمار للأعمال . أجل ثبت ان للنوايا الخيرة جزاء كريما عند اللَّه . ولعل السبب انها من الخلق الحسن . ( وبالايمان يعمر العلم ) . المراد بعمران العلم عموم منفعته وخلودها ، وعليه يكون المعنى ان من آمن باللَّه حقا وصدقا ويستعمل العلم في البناء والتعمير الذي ينفع الناس جيلا بعد جيل ، ولا يستعمله في الهدم والفساد واختراع الأسلحة الجهنمية