محمد جواد مغنية

396

في ظلال نهج البلاغة

إلى الاعتراف بوجود اللَّه ، والى هذا أشار الإمام ( ع ) في مناجاته : « يا من دل على ذاته بذاته » . وقال ولده الإمام سيد الشهداء ( ع ) : « متى غبت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك » . وبهذا فسّر العارفون باللَّه قوله تعالى : * ( « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ ) * - 53 فصلت » . ويرجع هذا الدليل إلى مفهوم الواجب والممكن ، وبيانه ان الفكرة لا تكون صحيحة إلا إذا استندت إلى الأوليات والبديهيات مباشرة أو انتهت إليها بواسطة أو أكثر ، وأول البديهيات ان النقيضين لا يجتمعان في وقت معا ، فالشيء الواحد لا يكون حقا وباطلا ، وموجودا ومعدوما في وقت واحد ومن جهة واحدة . ووجه الملازمة : لقد شاهدنا بالعيان أشياء تفتقر في وجودها إلى غيرها ، ولا تحمل في طبيعتها سبب وجودها ، واذن فلا بد من وجود علة أولى تحمل في طبيعتها السبب الموجب لوجودها ، ولا تحتاج إلى غيرها ، ومن أنكر هذه العلة التي لا علة لها فقد أنكر وجود الأشياء التي يراها بالعيان ، ومعنى هذا في واقعة انه آمن باجتماع النقيضين ، وقال : ان الشيء الواحد موجود ومعدوم في آن واحد من حيث يريد أو لا يريد ، وبكلام آخر انه في حال عدم وجود علة غير معلولة لشيء ينتفي الوجود من الأساس بشتى صوره وأشكاله تماما كما لو نفينا وجود مخترع الكهرباء والسيارة . . فإن معناه انه لا كهرباء ولا سيارة ، أو أنهما وجدا من غير قصد وفاعل ، وهو خلاف الواقع . ومرة ثانية نشير إلى أن هذا الدليل يجب أن يفهم في نطاق الوجود بما هو وجود ، وانه بنفسه يشهد بوجود اللَّه بصرف النظر عن الخلق والآثار ونظام الكون وجلاله . الدليل الثاني على وجوده تعالى يرجع إلى ضرورة العلة الفاعلة بأسلوب آخر ، وهو الاستدلال بالخلق والآثار على وجوده تعالى ، فننتقل من المعلول إلى العلة ، من الفاعل إلى الفعل على العكس من الدليل السابق الذي ينقلنا من العلة إلى المعلول ، ومن الفاعل إلى الفعل ، قال ابن سينا : « ان اعتبرت عالم الخلق فأنت صاعد ، وان اعتبرت عالم الوجود المحض فأنت نازل » أي من العلة العليا إلى المعلول الأدنى ، أما الصعود فمن المعلول الأدنى إلى العلة العليا ، ويسمى هذا الدليل بالدليل الكوني .