محمد جواد مغنية
389
في ظلال نهج البلاغة
الموجب لكل مؤامرة دبرت ضد الإمام كما يعكس مكانته وعظمته ، روى ابن أبي الحديد عن مسند الإمام أحمد بن حنبل : ان رسول اللَّه ( ص ) دعا عليا في غزوة الطائف ، وأطال نجواه حتى كره قوم من الصحابة ذلك ، وقال قائل منهم : لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه ، ولما بلغه ذلك جمع منهم قوما وقال : ان قائلا قال : أطال نجوى ابن عمه ، أما اني ما انتجيته ، ولكن اللَّه انتجاه . ثم قال ابن أبي الحديد : « إنما ذكرنا هذه الأخبار ههنا ، لأن كثيرا من المنحرفين عن الإمام إذا مروا على كلامه في نهج البلاغة وغيره المتضمن التحدث بنعمة اللَّه من اختصاصه برسول اللَّه ( ص ) وتمييزه إياه عن غيره - ينسبونه إلى التيه والزهو والفخر ، ولقد سبقهم إلى ذلك قوم من الصحابة » . ( فيهم ) . الضمير لأهل البيت ( كرائم القرآن ) أي نزلت آياته الكريمة بفضلهم وعظمتهم ( وهم كنوز الرحمن ) خزنة علمه ( ان نطقوا صدقوا ) لأنهم لا ينطقون عن الهوى ( وان صمتوا لم يسبقوا ) . قال الشيخ محمد عبده : يهاب الناس سكوتهم ، فلا يجرأ أحد على الكلام عما سكتوا عنه ( فليصدق رائد أهله ) . على الهادي والراعي أن ينصح ويخلص ، وتقدم بالحرف في الخطبة 107 ( وليكن من أبناء الآخرة ) أي يعمل لها ( فإنه منها قدم ) أي خلق من أجلها ، كما قال الإمام في مكان آخر : فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة ، ولا يستقيم المعنى إلا إذا فسرنا « قدم » بخلق ( واليها ينقلب ) . لا شك انا إلى ربنا منقلبون . ( فالناظر بالقلب - إلى - وقف عنه ) . للعاقل علامات ، وأهمها انه لا يقدم على أي شيء إلا بعد دراسته وتدبره على أساس سليم ، فإن كان خيرا لا شر فيه ، أو خيره أكثر من شره - أقدم عليه ، وإن كان شرا كله أو شره أكثر من خيره أحجم عنه . والأساس السليم ما يراه العقلاء والأكفاء سليما ( فإن العامل بغير علم إلخ ) . . كان العلم وما زال مقياسا لكل خطوة من خطوات البشرية إلى الأمام في كل ميدان من ميادين الحياة ، وكان الجهل وما زال خطرا أعظم من أي خطر على البشرية وحياتها . وكفى شاهدا على ذلك أن نلاحظ العصر الذي نعيش فيه ، ونقارن بين الدول والشعوب المتقدمة و « النامية » أي الفقيرة المتخلفة ، ونبحث عن السبب الموجب للتخلف ، والتقدم . . فبالعلم تقدمت الشعوب ، وعاشت في غنى غيرها ، وحمت نفسها ، وحافظت على كرامتها ، بل وسيطرت على غيرها ، وكلما طال بها أمد