محمد جواد مغنية
380
في ظلال نهج البلاغة
والسبيل القاصد طريق الأمان التي تنتهي بصاحبها إلى ما يريده لنفسه من الخير ، والمعنى من غفل عن سبيل الهدى وسلك سبيل الضلال فقد باء بغضب من اللَّه ، ومأواه جهنم وبئس المصير . ( حتى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم ) أي كشف اللَّه للعصاة عن جزاء أعمالهم ( واستخرجهم من جلابيب غفلتهم ) . كانوا يلهون ويلعبون غافلين عن الموت الذي لا يغفل عنهم حتى إذا رأوا دلائله وعلاماته انتبهوا من سباتهم ، وتملكهم الذعر ( واستقبلوا مدبرا ) أي رأوا أهوالا كانوا عنها غافلين مدبرين ( واستدبروا مقبلا ) فارقوا الأموال والأولاد ( فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ، ولا بما قضوا من وطرهم ) . نالوا الكثير من الدنيا وزينتها ، وتمتعوا بنعيمها وحلاوتها ، وحين جاءت ساعة الحق ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون وبه يتمتعون ، بل كان عليهم وبالا وعذابا . ( اني أحذركم ونفسي هذه المنزلة ) أي الغفلة عن العواقب ، وأشرك نفسه معهم في التحذير ليحرك شعورهم ، ويؤثر كلامه في قلوبهم ، ومن قبله قال الرسول الأعظم ( ص ) للمشركين : * ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ والأَرْضِ قُلِ الله و ) * - 24 سبأ « . ( فلينتفع امرؤ بنفسه ) أي بعقله ، والعقل آلة التفكير والنظر فيما يراه العاقل ويسمعه ، ثم يختار النافع والصالح ، والى هذا أشارت الآية 18 من سورة الزمر : * ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه » ) * وعلى هذا الأساس حدد الإمام مفهوم العاقل البصير بقوله : ( البصير من سمع فتفكر ، ونظر فأبصر ) سمع ورأى بعقل وروية لا بالهوى والغرض ( وانتفع بالعبر ) أي وعمل بكل خير يسمعه ويراه . ( ثم سلك جددا واضحا يتجنب فيه الصرعة في المهاوي والضلال في المغاوي ) . الجدد الطريق ، والصرعة الهلكة ، والمهاوي المهالك ، والمغاوي الأشياء التي تغوي وتضلل ، والمعنى ان الذي يدرك الأشياء على حقيقتها ، وينتفع بالعبر والعظات ، يهتدي إلى طريق النجاة لا محالة ، ويسلكه وهو على ثقة من أن العاقبة له لا عليه ( ولا يعين - إلى - صدق ) . الغواة هم الذين لا يرعوون عن الغي ، وهو خلاف الرشد ، والتعسف في الحق الاحتيال عليه كالذين يحللون ما حرم اللَّه بالحيل الشرعية ، والتحريف في النطق الكذب والافتراء ، والتخوف من الصدق السكوت