محمد جواد مغنية

372

في ظلال نهج البلاغة

الجسم ، واللَّه سبحانه منزه عنه وإرادته وحدها هي التي توجد الأشياء ( السميع لا بأداة ) لأنه عالم بالذات ( والبصير لا بتفريق آلة ) أيضا لأن علمه عين ذاته . قال الشيخ محمد عبده : « المراد بتفريق : تفريق الأجفان وفتح بعضها عن بعض » . يريد ان الانسان إذا أطبق جفنه الأعلى على الأسفل فلا يرى ، وان فرقهما رأى ، وليس اللَّه سبحانه كذلك . وهذا المعنى غير بعيد عن دلالة كلمة التفريق . ( والشاهد لا بمماسة ) . المراد بالشاهد الحاضر ، وبالمماسة الجسم ، واللَّه مع كل شيء بعلمه وقدرته لا بالمس أو الحلول أو وحدة الوجود الشاملة لكل موجود ( والبائن لا بتراخي مسافة ) . قد انفصل عن خلقه بالذات والصفات ، لا بالمكان والجهة ، ولكن في الصوفيين من يزعم أنه اتحد باللَّه عن طريق الرياضة . . ( والظاهر لا برؤية ) الذات بل بظهور الخلق والآثار ( والباطن لا بلطافة ) بحيث بلغ من الرقة حدا لا يرى بالعين المجردة ولا بالمكبّر ، ولا يحجب غيره من الرؤية كأمواج الراديو التي تحمل الصوت . . كلا ، ان ذاته القدسية فوق التصور والأوهام فضلا عن المراصد والمكبرات ( بان من الأشياء - إلى - الرجوع اليه ) . هذا عطف تفسير على قوله : « لافتراق الصانع والمصنوع » . ويتلخص معناه بأنه تعالى فوق كل شيء ، وفي قبضته كل شيء . ( من وصفه ) بشيء من صفات المخلوقين ( فقد حدّه ) أي جعل له حدا ينتهي اليه ، ولا يتجاوزه ( ومن حده فقد عده ) أي أحصاه وأحاط به ، وهو سبحانه محيط بكل شيء ، ولا يحيط به شيء ( ومن عده فقد أبطل أزله ) . من زعم أن الأوهام تحيط علما بذات اللَّه فقد جعله محدودا ، ولكل محدود بداية ونهاية ، واللَّه سبحانه هو الأول بلا أول كان قبله ، والآخر بلا آخر يكون بعده ( ومن قال كيف فقد استوصفه ) أي أعطاه صفات المخلوقين ، لأن كيف يسأل بها عن الأحوال كالطول والعرض ، والقيام والقعود ( ومن قال أين فقد حيزه ) أي جعل له مكانا وجهة ، لأن اين يسأل بها عن ذلك ، ولو كان للَّه جهة ومكان لافتقر اليه ، وهو الغني عن كل شيء ، ولا غنى لشيء عنه ( عالم إذ لا معلوم ) . يعلم الأشياء قبل وجودها ومتى توجد ، وعلمه بذلك هو هو من قبل ومن بعد ( ورب إذ لا مربوب ) هو رب كل شيء قبل وجود الأشياء ، لأنه هو الموجد لها في مكانها وزمانها ( وقادر إذ لا مقدور ) لأن قدرته ذاتية