محمد جواد مغنية
359
في ظلال نهج البلاغة
( لم يمنوا على اللَّه بالصبر ) . لا يستقيم هذا الكلام إلا بتقدير جملة محذوفة ويكون السياق هكذا : بعد أن سكت قوم عن الذين أفسدوا نهض جماعة من المؤمنين لجهاد المفسدين ، وصبروا على جهادهم ، ولم يمنّ المؤمنون المجاهدون على اللَّه بالصبر والجهاد ( ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق ) بل رأوه واجبا عليهم ، وأمانة في عنقهم . ( حتى إذا وافق وارد القضاء انقضاء مدة البلاء ) أي ان البلاء بأهل البغي والفتن استمر أمده حتى قضى اللَّه وقدّر نهايته ، وعندئذ حمل المؤمنون ( بصائرهم على أسيافهم ) . المراد بالبصائر الايمان والعقيدة ، والمعنى ان المؤمنين أعلنوا عقيدتهم ، ودافعوا عنها وناصروها بأسلحتهم ، واستماتوا دونها ( ودانوا لربهم ) بطاعتهم له ، وجهادهم في سبيله ( بأمر واعظهم ) أي مرشدهم ، وهو الذي قادهم في هذا الجهاد المقدس . ( حتى إذا قبض اللَّه رسوله ( ص ) رجع القوم على الأعقاب ) . يشير بهذا إلى قوله تعالى : * ( وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِه الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْه فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً ) * - 144 آل عمران . وفي الجزء التاسع من صحيح البخاري ، كتاب الفتن : « ان رسول اللَّه ( ص ) يقول يهم القيامة أي ربي أصحابي . . فيقول له : لا تدري ما أحدثوا بعدك . . وفي حديث ثان من أحاديث البخاري : انك لا تدري ما بدلوا بعدك . . فأقول : سحقا سحقا لمن بدل بعدي » . وليس من شك ان المراد بهذا التبديل الإعراض عن سنّة الرسول ووصيته ، لا مجرد الشك أو الارتداد مع العلم بأن الصحابة بكاملهم بقوا على الشهادتين بعد رسول اللَّه ( ص ) . ( وغالتهم السبل ) المراد بغالتهم أهلكتهم ، والمعنى سلكوا طرق الضلال فقادتهم إلى المهالك ( واتكلوا على الولائج ) اعتمدوا لسلطانهم وجاههم في الدنيا على ترويج بطانة السوء واخوان الرخاء الانتهازيين ( ووصلوا غير الرحم ، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته ) . المراد بالرحم والسبب هنا أهل البيت بقرينة قوله : « الذي أمروا بمودته » والآمر بهذه المودة هو اللَّه سبحانه في قوله عز من قائل : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * - 23 الشورى « . وقال ابن أبي الحديد : » إذا أطلقت كلمة الرحم كان المراد منها رحم الرسول تماما كما تقول أهل البيت ، فإن المفهوم عند المسلمين أهل بيت الرسول ( ص ) . أما