محمد جواد مغنية
346
في ظلال نهج البلاغة
الصحابة كلهم كانوا مع الإمام في صفين ، وفي طليعتهم عمار بن ياسر وأبو أيوب الأنصاري . وفي الخطبة التي نحن بصددها أشار الإمام ( ع ) إلى الزبير وطلحة بقوله : ( كل واحد منهما يرجو الأمر له ، ويعطفه عليه دون صاحبه ) . المراد بالأمر هنا الحكم والسلطان ، وكان كل من طلحة والزبير يرى نفسه أجل وأعظم من الآخر ، يطلب الرئاسة ليفرض سلطانه على صاحبه وغيره من الناس : أما هذا النمط من التعايش السلمي بين الاثنين ، واجتماع كلمتهما على حرب الإمام فقد فرضه عليهما فرضا النكث ببيعة الإمام التي أجمع عليها الصحابة والمسلمون من دونهما ، على أن الخلاف ظهر بين الاثنين ، وهما مجتمعان لحرب الإمام ، قال ابن أبي الحديد : « ذكر أرباب السير أن طلحة طلب من عائشة ان يسلم الناس عليه بالإمرة ، وطلب الزبير أن يكون ذلك له دون طلحة ، وأصلحت هي بين الاثنين ، وأمرت الناس ان يسلموا بالإمرة عليهما معا . وأيضا اختلفا في تولي القتال ، فطلبه كل منهما ، ثم نكل عنه ، واختلفا أيضا في إمامة الصلاة ، فنحّتهما عائشة ، وأمرت أن يصلي بالناس محمد بن طلحة وعبد اللَّه بن الزبير ، هذا يوما ، وهذا يوما » . وقال ابن الأثير في تاريخه : ان عائشة أمرت أن يصلي بالناس ابن أختها عبد اللَّه بن الزبير ، وأيضا قال ابن الأثير : « لما خرجت عائشة لقتال علي تبعتها أمهات المؤمنين يبكين على الاسلام ، فلم ير يوم أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم ، حتى سمي يوم النحيب . . وأقبل جارية بن قدامة السعدي وقال لها : يا أم المؤمنين واللَّه لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون . وقال لها رجل من أخوالها بني ليث يقال له عبيد بن أبي سلمة : واللَّه ان أول ما أمال حرف عثمان لأنت ، ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلا فقد كفر » . ( ولا يمتان إلى اللَّه بحبل ، ولا يمدان اليه بسبب ) . وعطف الجملة الأولى على الثانية من باب عطف التفسير ، والمعنى لم يخرج طلحة والزبير لوجه اللَّه ، بل طلبا للدنيا ( كل واحد منهما حامل ضب لصاحبه ) أي حاقد عليه للتنافس على المجد والسلطان ( وعما قليل يكشف قناعه به ) . الهاء في قناعه و « به » يعود إلى كل واحد منهما ، والمعنى ان كلا من طلحة والزبير سيفضح الآخر بفعله من حيث يريد أو لا يريد . وقد حدث هذا بالفعل ، لأن الزبير ترك