محمد جواد مغنية
28
في ظلال نهج البلاغة
( ولم ينفد طول الرغبة اليه مادة تضرعهم ) . أحبوا اللَّه وخافوا من أليم عذابه ، ورجوا نعيم ثوابه ، فعبدوه وتضرعوا له ، وطال أمد تضرعهم وعبادتهم ، ومع هذا استمروا على هذا الحب والخوف والرجاء والتضرع بلا كلل وملل ( ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم ) . الملائكة أقرب الخلائق إلى اللَّه تعالى ، وأشدهم خوفا منه ، وأكثرهم تضرعا له ، مع أن القرب يستدعي رفع الحجاب والتكليف . . وهذا قد يصح في الخلائق بعضهم مع بعض ، أما القرب منه عز وجل فيوجب الرهبة والتحفظ لجلال هيبته ، وعظيم سطوته ( ولم يتولههم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ) . المعجب بعمله يستكثره ولا يتزيد منه حيث يرى فيه الكفاية وزيادة ، والملائكة منزهون عن هذا النقص ، قال الإمام ( ع ) : أوحش الوحشة العجب . . سيئة تسوءك خير عند اللَّه من حسنة تعجبك . ( ولا تركت لهم استكانة الآجال نصيبا في تعظيم حسناتهم ) أي ان خضوعهم وتعظيمهم للَّه ما ترك سبيلا لتعظيم سواه ، ويتخلص هذا المعنى بقول الإمام في وصف المتقين : عظم الخالق في أنفسهم ، فصغر ما دونه في أعينهم ( ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم ) . استمروا على طاعة اللَّه وعبادته بلا فتور وكسل ( ولم تغض ) أي تنقص ( رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم ) . أي فيعدلوا عن رجاء ثوابه إلى اليأس ( ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ) أي أطرافها ، وهي لا تجف من طول الذكر ، ولا تكف عنه ( ولا ملكتهم الأشغال ، فتنقطع بهمس الجؤار اليه أصواتهم ) . لا شغل لهم إلا العبادة ، ورفع الأصوات بالذكر . ( ولم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم ) . المقاوم الصفوف ، والمعنى انهم يقفون للعبادة وقفة رجل واحد ، ويصطفّون بمهارة فائقة لا يعلو أو ينحرف منكب عن منكب ( ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم ) . امتدت أعناقهم في طاعة اللَّه وامتثال أوامره ، وما أمالوها تقصيرا ، أو طلبا للراحة ( ولا تغدوا على عزيمة جدهم بلادة الغفلات ) . لا سلطان للنسيان والذهول على جدهم في الطاعة وعبادتهم ، ولا يشكون في عدد الركعات ، ولا يسهون عن قول أو فعل ( ولا تنتضل ) أي لا ترمي ( في هممهم خدائع الشهوات ) . لا أثر للأهواء والشهوات في نشاطهم وعلو هممهم . ( قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ) . ادخروا لنجاتهم يوم المعاد