محمد جواد مغنية
254
في ظلال نهج البلاغة
وكل ما أخبر به الإمام من الخراب والتدمير في ثورة صاحب الزنج ذكره الطبري في تاريخه ، والمسعودي في « مروج الذهب » ، وأطال الحديث عن ذلك ابن أبي الحديد في « شرح النهج » ، ومما ذكره المسعودي : ان صاحب الزنج كان يقتل الكبير والصغير ، والذكر والأنثى ، ويحرق ويخرب ، وأتى في وقعة واحدة بالبصرة على ثلاثمئة ألف قتيل من الناس ، والذين سلموا من القتل كانوا يخرجون بالليل ، فيأخذون الكلاب والفيران والسنانير ويأكلونها حتى أفنوها ، وكانوا إذا حضرت الوفاة أحدهم قطعوه وأكلوا لحمه قبل أن تخرج الروح من جسده ، وقيل : إن امرأة كانت في حال النزع والاحتضار ، وعندها أختها تنتظر موتها لتأكلها ، ولكن الجياع ابتدروها قبل أن تموت ، وقطعوها وأكلوها ، وما أبقوا لأختها إلا الرأس ، فبكت وتظلمت . . ثم قال المسعودي : ومثل هذا كثير وأعظم . وعظم أمر صاحب الزنج حتى أوشك أن يأتي على الدولة العباسية ، فحشد الجيوش لحربه أبو أحمد الملقب بالموفق أخو الخليفة العباسي ، فقتله ، بعد حرب طويلة ودامية ، في شهر صفر سنة 270 ه ، وكانت أيامه 14 سنة ، و 4 أشهر ، وستة أيام ، وتكلم الناس عنه وأكثروا ، ووضعوا فيه العديد من المؤلفات في العصر العباسي وبعده ، وقرأت عنه كثيرا في الكتب الحديثة والقديمة وفي الصحف ، ويرى بعض الباحثين ان ثورة الزنج في البلاد العربية تماما كثورة العبيد في إيطاليا سنة 73 قبل الميلاد بقيادة « سبارتاكوس » الذي جمع حوله الآلاف من العبيد ، وحارب بهم السادة المترفين للتحرر من عسفهم وطغيانهم ، ثم انتهت حياته بالقتل مع 40 ألفا من العبيد تماما كما انتهت حياة صاحب الزنج ( أنظر كتاب حروب العصيان والثورة من فجر التاريخ إلى اليوم لغبريال بونه ) . والثورة تحت وطأة الظلم غريزة في الأسود والأبيض ، وفي الطفل الصغير ، والشيخ الكبير ، وأيضا في الحيوان . . ولن تموت هذه الغريزة إلا بموت صاحبها . . أجل ، قد تهدأ قليلا وتختفي تحت الرماد إلى حين . . ثم تنفجر فجأة وبلا سابق انذار . . وكل حي يعبر عنه بأسلوبه وبما يملك من طاقات ، هذا يحتج بالبكاء والصياح ، وذاك بالسباب والشتائم ، وآخر بالوثوب والقتال ، وقد يعبر عن ثورته بالانتحار . . وأنبل الثورات على الاطلاق ما كان منها في سبيل الحق والحرية . وغريبة الغرائب أن الولايات المتحدة التي ألغت نظام الرق بقيادة الانساني ابراهام لنكولن - تضطهد الزنوج الآن وفي بلدها ، وتذيقهم ألوانا من قسوة التفرقة