محمد جواد مغنية

247

في ظلال نهج البلاغة

والمفرط بتشديد الراء هو المقصر المهمل ، فإن أظهر العداوة والبغضاء فهو ناصبيّ والنمط الأوسط بينهما لا مسرف ولا مقصر ، ليس بغال ، ولا بقال ، وفي كتاب ( الاستيعاب ) لابن عبد البر المالكي ج 3 ص 36 طبعة سنة 1939 ما نصه بالحرف : « روت طائفة من الصحابة ان رسول اللَّه ( ص ) قال لعلي : لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق . . ويهلك فيك رجلان : محب مفرط ، وكذاب مفتر . . وتفترق فيك أمتي كما افترقت بنو إسرائيل في عيسى » . يشير ( ص ) إلى النّصارى الذين ألهوا عيسى ، والى اليهود الذين قالوا : هو ابن زنا . ونقل السيد محسن الأمين في ج 3 من « أعيان الشيعة » عن مسند أحمد ، وصحيح الترمذي ، واستيعاب ابن عبد البر ، ومستدرك الحاكم ، نقل : أن بغض علي كان العلامة عند الصحابة للمنافق في دينه ، وتمييزه عن المؤمن الصادق . . وثبت بطريق القطع أن معاوية كان يسب عليا ، ويدعو إلى سبه . الجماهير : ( الزموا السواد الأعظم ) أي الجماعة بدليل قوله بلا فاصل : ( فإن يد اللَّه على الجماعة ) أي معها ، قال تعالى : * ( « ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّه ) * - 8 الانسان » أي مع حبه ، والمراد بالجماعة الكثرة الكاثرة المعبر عنها الآن بالجماهير ، كأهل الزراعة والصناعة والتجارة التي لا غنى عنها لحياة الناس ، وأهل الفكر والقلم ، وكانت طبقة « الأشراف » تعبر من قبل عن هؤلاء بالهمل - بفتح الهاء - أي الإبل المتروكة مع العلم واليقين بأن ما من أمة تأمل في النهوض إلا بكد الجماهير وجهودهم ، فهم الذين صنعوا التاريخ والحضارة ، وما زالت بصماتهم إلى اليوم وإلى آخر يوم على الأهرام وسد الصين وقناة السويس وألوف القلاع والصروح . . وبهذا نجد التفسير الصحيح لقول الرسول الأعظم ( ص ) : « من سره بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة . . ومن خرج قيد شبر عن الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه . . ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية » أي مجرما سفاحا . ( فإن الشاذ من الناس للشيطان ) أي من يقيم العقبات ، ويبني السدود في طريق الجماهير العاملة وتقدمها إلى الأمام فهو من إخوان الشياطين والشذاذ الملاعين ( ألا من دعا إلى هذا الشعار - أي الوقوف في طريق الجماعة وأمانيها - فاقتلوه )